Dakerah 2 1

يشتمل الديوان على مئة وعشرين صفحة من القطع المتوسط، واحتوى على ستّ وعشرين قصيدة تتفاوت من حيث البناء والتشكيل الشذري.

كما ضمّ الكتاب، الصادر عن المطبعة والوراقة الوراقة بمراكش، ومنشورات دار التوحيدي بالرباط، والذي تزينه لوحة الشاعر والتشكيلي عزيز أزغاي، ملحقاً من شهادة في الديوان وقصيدة منه مترجمتين إلى اللغات الفرنسية والإنجليزية والإسبانية.

وجاء في الشهادة التي كتبها الشاعر والناقد العراقي علي جعفر العلاق، والمثبتة على ظهر الغلاف: "يسعى عبداللطيف الوراري إلى اقتطاف معظم جماليّاته، في هذه القصائد، من حقْلٍ أخذت نصوصنا الحديثة تبتعـد عنه غالباً، وكأنها تجعل من إهمـاله فضيلةً شعرية ومن الجهل به غنىً؛ أعني الإيقاع حين ينبع من عـديـد المصادر: من الـوزن بسيطاً ومركّباً، ومن اللغة باترةً وخفيّة، وأخيراً من انصهار النمطين في تداخلهما الحميم أيضا.

بـدءاً من عنوان الغلاف، يحضر الزمن بكثافـةٍ مؤلمـةٍ في هـذه المجموعة. إنّ للمـاضي، وللفقـدان، وللشجـن القـديم حضوراً فاجعاً، وهو ينحدر إلينا، قـديماً ومتجـدّداً، من ينابيعـهِ النضاحـةِ باليتـم الفـرديّ والإنسانيّ: من الأب الجسـديّ الشخصـيّ، نـزولاً إلى آبـاء الفجيعـة الكبار: كلكامـش، المتنبي، المعري، المعتمد بن عبـاد. ومن المتفجعـين أو الساخطـين من الأجيال اللاحقة: نازك الملائكة، أمل دنقل، عبدالله راجع، سركون بولص..."

وزاد العلاق بقوله: "وعبداللطيف الـوراري يحاول، دائماً، أن يجازف في الجمع بين ما لا يجمـع إلاّ بمشقـة، أن يأتي إلى الشعـر والنقـد بعُـدّةٍ مزدوجـة: برهافـةٍ لا تربـك انضباطَ الوعي، واستعـدادٍ معرفـيّ لا يجرح وردة الخيال..". ومن أجواء المجموعة نقرأ هذا المقطع الشعرية المجتزيء من نص "موّال أندلسي

" بَيْن غاباتٍ مِنَ الدُّلْب

أَرى النّاي كأَفْعى

في عَضُدِ الْوَحْشة

بَرْدانَ أُولّي شاهِدتي شَطْري

وَزَهْرُ الذّكْرى على قَلْبي،

فَلْيَقُلِ الأَنْدلسيُّون ما شاؤوا.

مِن المُمْكن أن أَبْكي

طَريقاً بِجوار القلب

لَوْ يَسْمعني

مَنْ يَمْسحُ الذّكْرى بِوَجْهي.

لَمْ أَقُلْ مَا أَشْتَهي مِنْ غُصّتي.

لِلْاُصُصِ العَطْشى على الْعُودِ

تَرَكْتُ الْعُمْر يَسْتَفُّ تُراباً لي.

عَليَّ احْتَالَتِ الْخُطْوَةُ بِالْخُطْوةِ،

واخْتَطَّ دَمَ الْأَنْفاس مَجْهولِيَ

وَالْمَاءُ هُوَ الدافع."

شعرية الوقائع التي تعصرها المخيّلة
قراءة "ذاكرة ليوم اخر" لعبد اللطيف الوراري
رشيد أزروال 

سيميولوجيا موازية:

الغلاف نصٌّ لوحده. ثمة بياض مهيمن يكسره خط عربي يضم اسم عبد اللطيف الوراري، وتحته خط اكبر وأعرض "ذاكرة ليوم آخر"؛ هو العنوان الجامع للديوان. ترتطم عيناك النهمتين للشعر بقصيدة بصرية هي ألوان تسيل بدقة الإبر، وخطوط رقيقة حد الرقة القصوى. موجة حمراء يسار العلوّ، سرعان ما تبهت ثم نقطة قانية الحمرة في عزلة وسط سواد كثيف يفرح باختراقات جيرانه من عشيرة اللون. ثمة لمسات خضراء وزرقاء طفيفة جدا.. كما لو أنها آثار أطياف سريعة المشي. أسفل اللوحة رمادي بهيج ينحاز إلى بياضه الكامن فينتشر أكثر من سواده فينحسر، لكن هناك تلك الخطوط الرفيعة أشبه بتوقيعات مثل ذلك الخط الصاعد المتوّج بدائرة صغيرة تتوسطها نجمة. الحياة بأفراحها وأتراحها، باليأس الطاعن والأمل الطافح تعتمل في دخيلة التشكيلي عزيز أزغاي.

هذا النص البصري تفاعل مع أفق شعر المجموعة تفاعلا جماليا عميقا؛ فأنت تقرأ القصائد تستعين بنص الغلاف حتى تتعمق الأسئلة والأحاسيس التي هي أمواج الدخيلة، هكذا همُ الشعراء يشتركون في الحساسية ويتمايزون في الوسائل الخاصة في الكتابة وما جاورها من إبداعات تشكيلية هي شعر في حد ذاتها. بين ذاكرة اللون وذاكرة الكتابة أفق مشترك... يوم قادم أو يوم الخلوة بالذات، واستعادة خبيئة هذه المنطقة الغامضة التي هي وصال العنق بفروة الرأس.

كما الإهداء في الكتب ليس شيئا زائدا، أو مجرد ترف كما قد يتبادر إلى الذهن؛ ليس اعتباطا. الإهداء مفتاح من مفاتيح النص كما العنوان: الإهداء إلى الأب هو استحضار لجلال الأبوّة، وهو عرفان ضمني للغائب/الحاضر في فؤاد الشاعر كما قد يتجلى حضوره في بعض نصوص الكتاب. بعد الإهداء تصدير شعري للمتنبي، فيه مقاتلة الشاعر لليل، ليل المشاقّ في عراك الحياة، كأنما يستمدُّ الوراري من سلفه الشعري إرادة مجابهة صعاب الحياة.

 تناصّات وقائعية، من ذات إلى ذات:

المأساة؛ مأساة الشاعر الأمير الأندلسي "المعتمد بن عباد"، والعشاء هو الأخير قبل مغادرة سطح الأرض الدنيا، ثمة تناصية بين عشاء المعتمد والعشاء الأخير للمسيح الذي يعتقده قساوسة الثالوث. ليس في التناص ملمح عقدي، بل هو ملمح جمالي تراجيدي. لوقع العشاء الأخير ثقل مأساوي ينبئ بالنهاية المحتومة، وتختزن المأساوية في عرف الشعراء جماليات كامنة تنفجر بتفجر الأحاسيس التي تمور كالنار في الأثافي.

يصور الشاعر الريح وهي تجوع أمام باب الكرم، يسمع جوعها وحتى المارة بالبئر يسمعون مثله. تصوير دقيق لطلاب الكرم لبابه (المعنمد) الأسير في "أغمات" كأنما أصوات الفقراء الجوعى ينعون الكريم المعطاء الذي لم يتركهم بلا زاد ودينار في الإمارة، لكن أسره وسجنه منع عنهم هذا الجود الدافق:
"تجوع ريحٌ
بباب الكرم
اسمعها تجوع." (ص11)
ثمّ يبدو الشاعر كأنّي به المعتمد يشكو حال قبره - اليوم- بعد الذي فعله به أمير المرابطين يوسف بن تاشفين:
"
لم يُفْتِ يوسف في رؤياي
لم يرني
ليصنع القيد من رمحي
ويقعد بي
أبيع قبراً بأبياتٍ
لسُـيّاحِ" (ص13)

في قصيدة "ينشدها طويلا من تلقاء نفسها"، تعثر على مقطع قوي يتناص مع ذاكرة قصائد النثر العالمية، لكنه بنكهة عربية أصيلة أصالة اللغة التي كتب بها، وثمة إيقاع غنائي طالع من حواريته مع الطيف مُسدلاً ستائر مناخ شبحي، إذ الشبح يحاوره بصيغة سؤال استنكاري:

"قال لي شبحي وهو يخلد حشداً إلى مقعد من مواعيد:
يا صاح هل سرت بي جهة الليل
حتى أردّ عليك الندوب؟" (ص18)

كما في نص"سريرة الحجر" مزيج بين الكرامات الشرقية والأساطير الهيلينة، وإن كان ملمح الأولى أوسع والثانية أوجز تكثف في اسم "ايثاكا"، غير أن توظيف الاثنين استدعته مضمرات البوح:

"كوليٍّ صالح
ينفخ في الأصداف
لو تأتي إليه الطير
في الزرقة
يجني الكرز
بين القلب والقلب." (ص20)

ثم يتجسدن في قوله:
"
تسلكُ إيثاكا إلى البرّ
وأشهاها يداها". (ص22)

بلسان قبيلة الشعراء الشاسعة في ندرتها كأحجار كريمة تقاذفتها العصور، يهمس الشاعر همس السؤال الجريح:

"ما الذي يجعلنا نتأذى من الحفيف،
ونظل نهتف بالحشائش
ونلوح بأغاني الدهر؟" (ص24)

يخاطب الشاعر -بلا مباشرة- قرارة الشاعرة نازك الملائكة كمن يخاطب قرارة نفسه في آن واحد (أليس دم الشعراء متفرق بيت القبائل والمدن والحضارات؟)، مُحيلاً إلى قصيدتها الأشهر "الكوليرا":

أيتها القرارة
ماذا تبقى من صرعى الكوليرا،
ومن صور اللائي ارتطمن بالشرفة السحيقة؟" (ص25)

وفي مقطع يليه نقتطف مباشرة في مخاطبة نازك: "حيث الحصاد تباركه الملائكة !". فالشاعر وهو يحاور نازك الملائكة، يسافر قي دلالات نصوصها الحافلة بأوجاع لا تتقادم، أوجاع عابرة في الأمكنة ومسارات الأزمنة. مثلما يحاو عبد الله راجع الشاعر المغربي، من القاع كنايةً عن شهوة الأصل:

"هبت نامة،
من ثبج الأمواج
إذ تهمس بي:
ذلك عبد الله 
رجع الورد
محموماً
وهذه أياديه 
تضيء
هالة
من قاع !" (ص36)

قريباً من هذا المعنى، أو تجذيراً لإيحاءاته، ثمة في الديوان تتكلم القصبة مستوحشة وهي تخاطب البئر في قصيدة "قالت القصبة" (ص29)، ومثل ذلك نص "دوار لايشبه الغد" (ص30-31). هناك من يروي حظّ الناي، وما الناي إلا شاعر يترنم صريعا بالمجاز والألم السري. وفي المكان الذي نبتت فيه الرؤيا الورارية فارعة الطول متسعة عرضا بلا أسوار، حيث "دكالة" مسقط الرأس وملقط الهوى. يقول:

"هنا،
حيث يمكنك أن تعاشر دم الزرقة
من نافذة على المحيط
لم تكن قدمان يسحبهما 
جسد سركون وركوته
من شعاب آشور" (ص32)

هذا التآخي بين "دكالة" الإقليم الفلاحي الخصيب حيث مدينتا أزمور والجديدة البرتغاليتان ذات أيام قديمة، و"آشور" البابلية، بين عبد اللطيف الوراري و"حامل الفوانيس في ليل الذئاب" الشاعر العراقي سركون بولص، تتأمكن أخوة الشعراء. هذه مصائر الكينونة ذات الحساسية الفائقة والوجع المنثور في جغرافيات تتوزع بين المحيط الأطلسي حيث تربض دكالة، وشعاب العراق في آشور القديمة، ومن خلال ذلك يجري استدعاء شخصيات تاريخية من دكالة؛ بما في ذلك العالم أبو شعيب الدكالي وعائشة التي قاومت للبرتغاليين وتحولت في حكايات الجدات إلى جنية ، بقدر ما يتمّ أسطرتها بإرجاع نسبها إلى جذر بعيد القدم.

   وهكذا، فإن استدعاء الشعراء هاجس "المقروئية" العارفة بالشعر وأسراره. ليس للإحالة على الواقعة القديمة وتحيينها فقط، بل كذلك على الواقعة المعاصرة التي تدلّ عليها أحداث تاريخية مأساوية، كأن يستدعي الشاعر في نص "تلقاء بابل" قناع المتنبي ليكون لسان الحال الغاضب على المآل الذي صارت إليه بلده العراق بعد الحرب التي أثخنته قتلا، أو عرّضت ذاكرته الحضارية للنهب والدمار:
"
كم متحفٍ مال ناحية الوعد يختم مجهوله
بدم العابرين،
ونقّالةٍ تتهجى من الخوف حالات معنى،
وراء أجير بأرض بوار
رأينا المصحات تسحبها من يد العسس العرباتُ." (ص61)

كما يستدعي أبا القاسم الشابي شاعر تونس الخضراء من خلال بيته الشهير "إذا الشعب يوما أراد الحياة"، وفيه يقدم تتمة حديثة لـ"إرادة الحياة" حيث حكى عما حدث من "ربيع" واعد بالإزهار:

"إذا الشعب أراد الحياة
رمى الشعب بالليل في سلة المهملات،
وفك عن المستحيل القيود، ولبّى القدرْ 
وفي الفجر ردد لحن أبي القاسم الشابي الصعب
في جملتين، وقال:
إلى النار هذا البريد الكذوب
إلى الريح رؤيا السفرْ !" (ص63)

وفي قصيدة "الإصحاح السابع"، يستعيد صوت أمل دنقل شاعر الرفض، وينقل لنا ما حدث في ميدان القاهرة من آمال عريضة وما أزهر من عرائش مذهلة قبل احتراقها:

"أيها الواقفون يزينون ميدان مصر،
السلامُ.. السلامْ !
من حناجركم يزهر الحبّ.." (ص73)

وضمن ذلك، يستدعي طوفان نوح:

"فادخلوا مصر
يا صحبتي
آمنين !" (ص75)

وفي السياق نفسه، يستدعي "حكاية الياسمين" التي طلعت من جبل قاسيون ومعها أينع الدم من بين الخرائب (76-78). وستدعي "أحزان أبي العباس السبتي" رجل الكرامات والمتصوف المغربي عبر نشيد أو نواح جنائزي طويل يشرنق القول الشفيف ويلسع دواخل الأعماق لسعة الحنين والأسى النازف، حيث مراكش مهوى الأحزان لا تجد ما به تديم بهجة العوامّ:

"
في مراكش الأحباب من عطش بباب الله.
في مراكش الأحلام أهون، والخطى صمّاء.
في مراكش ازدانت جياد بالمرايا إذ جفتها الشمسُ.
في مراكش الأسواقُ.
في مراكش اشتبهَتْ على الأرض السماءُ تقيءُ.
في مراكش اشتعلت سلالُ الحبّ بالعاهات
في مراكش اشتاقت إلى عينيك سبتة.." (ص82)

وجميع هذه الاستدعاءات التي تسافر بنا في الزمان والمكان، إنما تعكس موقف الشاعر من واقعه ورؤيته للعالم، من موقف رافض إلى رؤية متشائلة

البعد السيرذاتي عبر شعرنة الذاكرة

من خلال إيحاء العنوان، يمنح الشاعر للطفولة حقّ البوح عن ذاكرتها عبر مقاطع سيرذاتية تشي بحرقة الأسئلة المبكرة، وبمصير الفراشات التي رسمها حتى تؤنسه وتحمل عنه قسوة اليتم:

"اليتيم الذي نام جنب الساقية
لا يعرف ماذا يحصل
للفراشات
بين أوقات الرسم.." (ص42)

يخاطب الشاعر ذاكرته مطالبا إياها بالصبر، وبأن تنسى، ويستحضر أوقاتا من طفولته قضاها على ضفاف بحيرة "ورار" في مسقط رأسه بـ"دكالة"، التي جفت وزالت ولم يبق إلا هذا الوادي الجاف كناية عن العائلة التي اشتقت من اسم البحيرة الميتة مآل هجراتها. يقول في اشتياق لاذع:

"ينقر البرد عودي عند (ورار)،
فأسمع شيئا من الأمس،
ثمّ الحصى
أسفل السهو
أعلى الندوب" (ص51)


وفي نص "تقاليب ضوء" المهدى إلى أبي العلاء المعري، ثمة تصريف للسيرة المتخيلة تحت "ضوء القمر"؛ ضوء البصيرة، وضوء المجاز حيث تنسكب رؤى تأملية عميقة، وحيث يعيد الشاعر ابتكار هويته من جديد ويفتحه على الرياح التي تهب من جميع الجهات:

"مِنْ بَعيدٍ، 
أَسْمعُ الضّوْء
يُنادِيني.
بِصَبْرٍ وَلِسانَيْن، يُنادِيني: تَعالْ
ذَلِك الضّوْء !
قَلْبي
جُمَـلٌ تَكْتُبني،
لَسْتُ كَأَيٍّ مِنْ ظِلالْ
مِنْ ظِلالِ الوَقْتِ،
تَغْدو وَتَرُوحْ " (ص85)

بل إن هذه الرياح تأتي من غابات الأندلس، وهل هناك من "موال أندلسي" شجيّ يأتينا من غابات لا تثمر

"بين غاباتٍ من الدُّلْب
أرى الناي
كأفعى
في عضد الوحشة
وبعده، ثمة تجذير أثر المعنى من مأساة الغروب:
"
وزهر الذكرى على قلبي،
فيلقل الأندلسيّون ما شاؤوا" (ص101)


إذن، وأنا أختم هذه القراءة الكثيفة التي تسعى إلى الإمساك بجوهر العمل الشعري، أحسب أننا أمام ذاكرة شعرية ذات أفق إنساني مشترك، فهي حاضنة تراجيدية ذات انتماءات تاريخية وجغرافية وحميمية وحضارية مختلفة، يسكنها ذلك النشيج العابر للشرط الإنساني؛ شرط الكينونة وشرط الوجود، وللمعرفة وطرائق الكتابة الشعرية بما تحفلان به من تنوع وشمولية تتوزع بين الحضارات والأساطير والتواريخ والأماكن. ومن جماع ذلك، تنتسج سيرة ذاتية ظاهرة حينا، ومضمرة حينا آخر، وتتقاطع مع سير غيرية ومكانية داخل تناصيات يعاد تشكيلها بشكل ينعش الذاكرة "ليوم آخر". 

وعطفاً على ذلك، فللشاعر عبد اللطيف الوراري ذائقة استيعابية منفتحة على كل التجارب، إذ يتمتع بحاسة استبصار والتقاط على نحو ما يفيد نسيجه الشعري الخاص، ويتفاعل مع المنجز الشعري الكوني قديمه وحديثه، مثلما يتفاعل مع تراث الشعر العربي وحداثته، وعبره مع اللغة العربية معجما وإيقاعا يرتوي منهما غدقا. كما أن للوقائع الحياتية التي عاشها ويعيشها سطوة جمالية على منجزه الشعري والنثري كذلك، فهو لا ينفكّ ينحدر من سلالات واقعية وميثولوجية إلى نصوصه.

*نشرتها مجلة ميريت الثقافية التي تصدر من القاهرة،  العدد السادس يونيو 2019

"جدلية الحضور والغياب في "ذاكرة ليوم آخر

عبد الغني فوزي

تتخلق الشعر من خلال تلك المواجهة بينه وبين العالم. في هذه الوضعية، لابد للذات أن تبحث لها عن موقع وإقامة رمزية في اللغة والوجود. وبالتالي فاهتمام وتجربة الشاعر تمتد لمكتوبه ونصه. لهذا تتعدد النصوص، وتتنوع في طبقاتها التكوينية وتشكيلها الجمالي. فعلى قدر العدة وقلقها، تتمظهر المتون الإبداعية دلاليا وجماليا. لهذا الاعتبار، فالنص ـ كخلق ـ يدلنا على الجدية أو الفداحة. حضرتني هذه الفكرة المركبة، وأنا أقرأ المجموعة الشعرية للشاعر عبد اللطيف الوراري المعنونة بـ«ذاكرة ليوم آخر» التي تحتوي على نصوص موغلة في سفرها المتشعب في الزمن العربي المليء بالانكسارات والثقوب. لهذا من الضروري، إدراك خلفية الشاعرعبد اللطيف الوراري أولا ـ بدون إسقاط ـ باعتبارها طاوية على قيم الرفض والنبل المتجلي في مواكبة الجغرافيات الشعرية، منخرطا في الطرح والمدارسة. في هذا الصدد، يؤكد على بعض المفاهيم في تناول الشعر، الأمر يتعلق بمفهوم الحساسية الشعرية، عوض الجيل. فالأول أكثر مرونة واتساعا، ونابعا من خصوصية الشعر، باعتباره يرتكز على الذات، وتعدد الاقتراحات الجمالية.

يهمني هنا، حضور ذات الشاعر وانتقالاتها الموضعية، باعتبارها حمالة قيم ومكتظة بالقلق. الشيء الذي أدى إلى التفاعل مع أصوات في كتابة الشعر (المعتمد بن عباد، أبو العلاء المعري، أبو القاسم الشابي، أمل دنقل، نازك الملائكة، عبد الله راجع). فتتم مجادلتها على ضوء التراجيديات الراهنة. وبالتالي، هناك إضافة لما يعرف بالقناع. فاستحضارها أولا له ما يبرره، كون الجراح مترابطة. لهذا لابد من تعضيد الصوت اليتيم الذي يستجمع الشاعر فقده كخيط سار في نهر الزمن الجريح، اعتمادا على حوارات شبيهة، تتم من طرف واحد أو على لسان النص، ما أدى إلى توارد الحالات وتراسل الحواس، ضمن مرثيات حديثة، تنهض على نفس غنائي جديد. فالأمر لا يتعلق باختيار اعتباطي لتلك الأسماء، بل تلتقي جميعها بدون قطع في مواجهتها للعالم والأنساق الموصدة ضمن سلط مستبدة. وبالتالي خلق ذاك التجاور الرؤيوي بينها وبين الشاعر. كأن الأمر يتعلق بسلالة كتابة تبحث منذ الأزل مع أصوات نصوص كبرى ومؤسسة عن أفق، وعن حياة متوهجة. نقرأ من ديوان «ذاكرة ليوم آخر» في نص شعري بعنوان «العشاء الأخير للمعتمد بن عباد»:
تجوع ريح

بباب الكرم

أسمعها تجوع

من مر قرب البئر يسمعها مثلي، ويطعمني جوعي
يداي هنا، في البيت، لا تسندان البرق إن عوتا من الغيوم
أنا المجروح أفرك عيني شاعر، وأربي حنطة. وبلا جدوى أطول
لئلا ينفق الأمل

تتخلق من داخل الحالات والتأملات ولو في لغتها، إلى وصف شعري يؤثث كونه على نفس سير ذاتي، بلمسة مغايرة في التوظيف، إلى رؤية مأساوية، تنتصر للشرارات في الاحتمال والكشف.

تسند هذه المجموعة في بنائها الحوار والوصف، باعتبارهما يشخصان الحالات والمواقف الوجدانية والفكرية. فنألف أنفسنا أمام مشاهد مكتظة بالخيبة؛ وهي تتخلق على ضوء بعيد. فكل المعطيات السابقة تتلون بما هو ذاتي، فتتخذ لبوسا جديدا دلاليا وتخييليا، تعميقا لنغمة الفقد والحنين. في هذه الحالة يمكن الحديث عن غنائية أخرى، تعمق «الأنا» كمسكن شعري للحياة والوجود، «أنا» يتحول إلى خيط سابح، ليس في الزمان فحسب؛ بل في المكان السائل. كل ذلك، أوجد له حلة لغوية وجمالية لا تسعى إلى التعبير فحسب، بل تعميق جماليات الشعر، انطلاقا من سؤال الواقع والوجود بين ما هو كائن (مرفوض) وما ينبغي أن يكون، إلى لغة مثوتبة تتخلق من داخل الحالات والتأملات ولو في لغتها، إلى وصف شعري يؤثث كونه على نفس سير ذاتي، بلمسة مغايرة في التوظيف، إلى رؤية مأساوية، تنتصر للشرارات في الاحتمال والكشف.
يصاغ هذا القلق، ضمن نفس سير ذاتي. لكن بدون تطابق مع الواقع والمرجع. أي أن هذا النفس يتخذ خصوصيته داخل الشعر. كون هذا الأخير ينطلق من واقعة لها امتداداتها في المعيش والذاكرة، فتتعدد الوقائع على ضوء إعادة الصياغة والتخييل الذاتي ـ الشعري. لهذا تدون الذات هنا جوانب من الحياة الفردية، وفق رغبة في البوح، تكسر منطق الإخبار. ضمن هذا المد، يمكن ذكر علاقة الشاعر بأمكنة عبرها أو تفاعل معها في التاريخ والذاكرة الجمعية (الجديدة، أم الربيع ـ أزمور، أكادير، مراكش، الأندلس)، وظلت سارية في الأعماق ـ كسؤال ـ متفاعلة مع الأشياء ضمن السقوط المفجع. وعلاقة بشخوص بين الحضور والغياب؛ ابتداء من الأب إلى شعراء عميقين وإشكاليين (المعتمد بن عباد، أبو القاسم الشابي، نازك الملائكة، عبد الله راجع، أمل دنقل، سركون بولص). هنا يبدو أن الذات تجذب ذلك إلى داخل مرتعش، وقلق ساع إلى الانوجاد والإقامة ـ كصوت مناهض ـ في الحياة والكتابة. ورد في نص شعري بعنوان «إرادة الحياة (تتمة حديثة)» من نفس الديوان قيد الدرس:

إذا الشعب يوما أراد الحياة

رمى الشعب بالليل في سلة المهملات،

وفك عن المستحيل القيود، ولبى القدر

وفي الفجر ردد لحن أبي القاسم الصعب

في جملتين، وقال:

إلى النار هذا البريد الكذوب،

إلى الريح رؤيا السفر

كما لا يمكن تغافل المعطى الإيقاعي الذي وسع من الدال العروضي، من خلال التكرار بأنواعه (حرف، كلمة، عبارة)، إضافة إلى التقابل، باعتماد نفس الصيغ الصرفية. فضلا عن التقديم والتأخير. هذا فضلا عن علاقة البياض بالسواد وتوزيع السطور، تبعا للدفقات الشعورية والمقامية. هنا يبدو ـ في تقديري ـ أن المجموعة هذه، تتصف بايقاع متنوع، يليق بنص مركب يسعى إليه الشاعر بكله العاطفي والفكري. على اعتبار، أن النصوص ـ في هذه المجموعة ـ تنطلق من مداخل واقعية ومعرفية أيضا، يمكنها من محاورات عميقة، بنكهة شعرية تعمق الجرح، فيتعدد، ليتضمن جرح الشعر أيضا. نقرأ في نص شعري معنون بـ «عبد الله راجع»:

من أمس

مثل شارد

أسأل عنه

أسأل البلاد في يوم الحصاد،

والحصاد من دم الطاعون.

ثم أسأل الريح التي لم تر،

والباب الذي تصفقه وراءها

كجملة تعوي من الإيقاع

يكتب الشاعر عبد اللطيف الوراري نصوصا شعرية، جديرة بهذه الصفة، تعلن بقوة تموقعها الخلاق ضمن الجغرافيات الشعرية بين الماضي والحاضر. ولا غرو في ذلك، لأن صديقنا لا يهدأ له جفن في الحياة والكتابة، استنادا إلى متابعة وتجربة تجادل وتبني. لهذا كانت نصوصه أهلا لحوار مع التاريخ والمعرفة الشعرية أيضا. معمقا منجزه، وفاتحا إياها على ما يجري من جمال في الشعر وما يجري من قتل وبشاعات رهيبة تطارد المعنى، والشعر الجدير بهذه الصفة. لهذا، لا بد من الإصرار على الإمساك أو العض على تلك الجمرة التي توحد الشعراء في الحرقة، ومواصلة المسير على تلك الحافة، كما يفعل صديقنا عبد اللطيف الوراري بدون أن يلتفت بين الشعر وظلّه.

شعرية المضمر وجماعية الشعر

 في « ذاكرة ليوم آخر» لعبد اللطيف الوراري

عبد الرزاق هيضراني

    في ديوانه الأخير« ذاكرة ليوم آخر» الصادر عن دار التوحيدي 2013، يصفي الشاعر المغربي عبد اللطيف الوراري حساباته مع العالم، القابع في تخوم الذاكرة والمنسي في أخاديد الروح. ولئن كانت هذه التصفية الشعرية تتشكل من عتاد إيقاعي وثقافي متفرد، فإنها ليست محاكمة جنائية لفراغ أو سمو دنيء ما، وليست تسلية للذات أو تلبية لنزوة عابرة، بقدر ما تهدف إلى التحرر من ترسبات الماضي وقلق الآتي. وتتحدد أهمية هذا الديوان من حيث إنه عناد وجودي ثقافي ومغايرة إيقاعية وتخييلية جمالية أخاذة وأفق دلالي ثقافي جماعي استثمر فيه الشاعر مجموعة من الروافد الثقافية (فلسفية، تراثية، أدبية) والمبادئ الجمالية الخلاقة (الاِستدراك، التضمين، الحوار، المشهد السينمائي، التداعي، الانزياح، استنطاق المضمر، إضمار المتداول، التنويع الإيقاعي). 

العتبات: من شعرية الذات إلى جماعية الشعر

يتأسس عنوان الديوان على توتر والتباس دلالي، بحيث إن هذه « ذاكرة » لا تتقيد بحرف جر تنتسب به إلى مكان ما، أو ياء نسبة تحيل على ذات معلومة. لهذا نفترض أن هذه « ذاكرة » ليست سيرية تحيل إلى ذات الشاعر وحسب، لأنها نكرة غير إحالية، وإنما هي ذات أفق جماعي مفتوح. فالانتساب الذي تنتسب إليه هذه الـ«ذاكرة » هو الزمن الممتد والملتبس في الوقت نفسه. ممتد لأنه مرتبط بمستقبل، وملتبس لغياب مخصصات تركيبية دالة على حدوده. ومثلما لا نعرف حدود تجذر هذه الذاكرة في الماضي، لا نعرف حدودها في المستقبل، على الرغم من ورود الظرف الزماني «ليوم آخر» الذي يضاعف من التباس هذه الذاكرة، حدودها وآفاقها. وما يؤكد افتراضنا السابق حول جماعية الشعر في «ذاكرة ليوم آخر»، هو استناد الشاعر إلى مجموعة من القرائن الدلالية والإحالات الثقافية المرجعية. فبدءا من عناوين القصائد (العشاء الأخير للمعتمد بن عباد، عبد الله راجع، سريرة الحجر، قبل هذا التاريخ، إرادة الحياة، ميراث، أكادير كما اتفق…) يتبين لنا أن عبد اللطيف الوراري يستثمر ممكنات شعرية منفتحة على أمكنة، أزمنة وأحداث وتجارب ذاتية وجماعية متفردة، بحيث إنه لا يؤسس شعريته على لحظة تجريدية فحسب، وإنما يؤسسها على ما هو حسي كذلك. فالزمن المتخيل في هذه الكتابة يلتقي بالزمن المعيش، التجربة بذاكرة الشعر. وهنا بالذات تتحقق دهشة الشعر من حيث كونها تأسيسا لتجربة بقدر ما هي خلاصة لاقتحام العتمة، لطالما أن الشعر على حد تعبير رامبو رؤية استبصارية هدفها كشف المجهول، أو إن أصالته على حد تعبير إليوت تتجلى في جمعه الدائم بين الأدوات الأكثر تباعدا وتنوعا.

الرمز وبنية السؤال الشعري

تتميز قصيدة «العشاء الأخير للمعتمد بن عباد» بتبئير الرمز وإعادة بعثه ثقافيا. فإذا كان البعد التاريخي، كما يرى هيدجر يتميز بتفسيره التقني لبنية الحدث، ومن ثمة موضعته في زمن وسياق محدد، فإن الحدث في الشعر محط سؤال متشكك وليس معادلا موضوعيا لحقيقة مكتملة. ففي بحثه الدائم عن حقيقة الحدث يتحقق جوهر الشعر، فإن أجاب عن أسئلة انتهى. تقول القصيدة: تجوع ريحٌ/ بباب الكرم/ أسمعها تجوع/ من مرّ قرب البئر يسمعها مثلي، ويطعمني جوعي.

 «تجوع ريح» هكذا تدشن القصيدة بدايتها، وهي بداية ملتبسة. بحيث إن هذا الفعل الاِنعكاسي (الريح: منفذ/ الريح: متقبل) الذي يقتحم المكان «باب الكرم» يشكل بؤرة توتر، لا سيما عندما يدخل الشاعر دائرة الفعل «أسمعها»، ذلك أن دخول الأنا في حركية الأشياء لا يكون إلا بهدف المعاينة لا الإجابة عن تساؤل مضمر «كيف». ولأن الفقد منذور ومشروط بوجود الآخر، فإن الذات الشاعرة تقحم ذواتا أخرى في عملية المعاينة، إذ بقدر ما تنفتح على محيطها، توسع من دائرة اللبس. وكأن تقديم جواب ينهي تواتر السطر الشعري كما ينهي تدفق المعنى. وكأننا أمام حالة من الفقد لا يمكن لها أن تتلاشى بجواب قاطع أو معنى مكتمل: خيبة في الدهر ليس لها وزن/ ولا انتظمت في حرف قافية/ كأنها بدلٌ في جملتي/ … بدلُ  

فمن مميزات هذه الأسطر أنها لا تقدم جوابا عن بداية القصيدة المتوترة، ليست خطية للقبض على جوهرها ولا تجيب عن أسئلة. هي فقط تشير وتخلق منعرجات لتأويل مفتوح. أن تجد جوابا في قصيدة معناه أنها حسمت انتماءها مع الشعر. ولأن الجواب على سؤال ليس هدف هذه القصيدة ولا مطلبها الجوهري، فإنها تكتفي بالإشارة؛ ذلك أن ما يمكن أن يكون خيبة أو ذكرى سيئة أو إبعادا مقصودا لرمز ثقافي من ذاكرة جماعية، لا يمكن أن يكون إلا فائضا داخل بنية الشعر. وإذا كان المعتمد بن عباد من أهم ملوك الطوائف، بحيث كان ملكا لقرطبة ولإشبيلية التي ازدهرت في عهده فشيدت وعمرت، كما كان محبا للشعر والشعراء من أمثال ابن زيدون وابن اللبانة، فإنه تحول إلى مجرد ذكرى، بل أكثر من ذلك فذكراه لا وزن لها ولا قافية، أو إنها بدل من جملة لا قيمة لها، بل إن الشعر في قبره بأغمات تحول إلى عملة تباع للسياح «أبيع قبرا بأبيات لسياح». وهذا ما يجعل من الفقد بؤرة القصيدة وجوابها المضمر لكي لا تتوقف عن حركيتها وميزتها التوليدية. ومن ثمة فإن القصيدة تحطم أيديولوجية الأسطرة التي تجعل من ذات إبداعية أو رمزا ثقافيا ذا بعد تاريخي مركون في جهة منسية من الذاكرة لا يذكر إلا لماما، من مناسباتية الرمز إلى حركية الشعر. من إقاماته في منافي التاريخ إلى بنية شعرية متحركة لا تتمحور حول الرمز ولا تبعده، لا تتمركز حول الذات ولا تلغيها. وفي الوقت نفسه فهي قصيدة لا تقر بحقيقة مكتملة أو قطعية. وهذا ما نعاينه في نهايتها بحيث تطير بأسرارها إلى تخوم أكثر آلتباسا. (..) ذاك الخرير الذي/ يأسو الظلال/ دمي الكوفي/ أيان مالت/ شفني البلل. 

فلئن تحققت فاعلية الشعر هنا في القبض على لحظة زمنية وتاريخية منسية، بجعلها ممتدة ليوم آخر، ولئن صفى الشاعر حساباته مع المنسي والقابع في التخوم ليجعل له عمرا آخر داخل إطار شعري متحرك ومعيش، فإن تموضع الذات الشاعرة بين فجوتين زمنيتين يجعلها هي الأخرى في مواجهة مع زمن جارف لا يقاوم إلا بذاكرة شعرية تنتصر لجماعية الشعر.

هندسة الفضاء الشعري ورمزية التداعي الثقافي

تتميز قصائد الديوان بإيقاع موسيقي متنوع ينهض على تنغيم داخلي أخاذ متصل بمناخ القصائد الشعوري والفكري. وهو تبعا لذلك لا يعتمد على الرص الاِعتباطي والتوزيع الفوضوي للكلمات، وإنما على اختيار واع لمجمل التنويعات الإيقاعية. لكن الملاحظة الجديرة بالاِهتمام هي أن منطق التنويع الإيقاعي لا يتعارض مع منطق التداعي الدلالي المؤسس على خلفية ثقافية واضحة، بل إنهما يتناسقان، حتى إن اختيار إيقاع أو تفتيت لكلمة ما هو نوع من التبئير والتحديب لدلالة أو ثقافة ما مفكر فيها بإتقان. ويمكن أن نمثل لذلك بقصيدة «سريرة الحجر»: صرير الأخاديد/ من الفترة/ يأسو الضوء/ والأعشاب لا تندم/ حتى يدفأ الجو/ وراء العتبات

يا لها

تلك الأيادي المشتهاة

ان

ت

ث

رت

إنها أياد مشتهاة منتثرة دلالة ورسما إيقاعيا، أي إن فعل الاانتثار الذي يؤثت الأيادي لا يمكن التعبير عنه في أدق التفاصيل إلا بانتثار اللغة وانشطارها وتوزيعها توزيعا فضائيا يعكس شعورا وثقافة كذلك. ونجد هذا الانسجام بين التوزيع الإيقاعي للكلمات وما تستدعيه من تمثلات وثقافة في قصيدة «صعودا إلى حياة في الجبل». فإذا كان الجبل كما هو في الطبيعة مخلوقا على شكل هرم، قاعدته متسعة يضيق كلما ارتفع إلى الأعلى، فإن الشاعر يهندس قصيدته بناء على هذا الشكل بثقافة مختلفة. لنلاحظ توزيع الكلمة في هذه القصيدة:

هنا

أو هناك

بين شعبين

أو في مسير جنازة تعطر

أو تحت الجريد المرعوف بالطاعون

أو وسط شهود بني قنيقاع والحلفاء وآر بي جي

   هكذا تهندس القصيدة على شكل جبل إلى أن تنتهي. فإذا كان الصعود إلى الجبل يبدأ من القاعدة فإن الأمر هنا مغاير، ذلك أن صعود القصيدة لا يتم بالشكل المتعارف عليه أي من الأسفل إلى الأعلى وإنما هو صعود من الأعلى إلى الأسفل. أي إن انطلاق القصيدة يبدأ من نقطة تمركز الأنا الشاعرة لتتسع إلى أمكنة، مضايق وحيوات منسية. وهذا الذكاء الإيقاعي ليس هدفه جماليا فحسب، وإنما هو اقتراب أو اقتحام شعري لمعيش يومي مؤجل. ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل إن بنية الإيقاع الذي تتأسس عليه مجمل القصائد تتشكل في إطار من التداعي الثقافي الذي يجعل من ثيمة الفقد أساسا تعبيريا له. ولنا أن نتأمل هذه الأسطر الشعرية: «نايات ترتجل المباذل». « البراكين تحت جاعرتي الفرس لا تضيء». «هذه الأشجار في الخارج ذكرى لحياة بجوار السوق»… فهي أسطر من بين أخرى تترجم مناخا عاما تتأسس عليه شعرية الديوان وتؤسس عليه أفقها، دون أن تقدم، وكما أسلفنا، إجابة قطعية عن الإحساس بالفجيعة، ودون أن تصفي حسابات مجانية مع الذات أو العالم المحيط بها.

يتقاطع في هذا الديوان أكثر من صوت، وينسجم فيه أكثر من إيقاع. يتقاطع فيه صوت الجماعة بالتجربة الذاتية، وتتحول فيه الصورة الشعرية إلى وحدة صغرى داخل إطار تراثي كبير تمتح منه شعريتها. إنه ديوان يؤسس شعريته على آفاق متفردة من داخل فضاء لا يتوانى عن التشكل الإيقاعي والموسيقي العذب والتداعي الثقافي الهادف.

*القدس العربي، 6 ماي 2017.

الزمان والمُتخيّل الشعري    

                                            في " ذاكرة ليوم آخر" لعبد اللطيف الوراري                                                  

د. محمد الديهاجي

-1-

في بعض الكتابة الشعرية الجديدة نزوع كبير نحو فتح أفق مغاير في الشعر. هكذا هو حال الكتابة الحداثية . كتابة متجدّدة على الدوام. صيرورتها تدميرية بكثير من الرصانة والنضج، وماؤها من ماء هيراقليطس. نهرٌ يُغيّر دفقه باستمرار، ولا يمكن البتة السباحة فيه أكثر من مرة. هي كتابة لا تروم القول بقدر ما ترمي إلى صدّ القول (1). كتابة جاحدة وماكرة، تُخفي أكثر مما تُفصح. وإذن من أهم ثوابت ما تمور به الكتابة الشعرية الحداثية هو الاختلاف والمغايرة. أي الذهاب إلى أقصى التخوم والمضايق. أليس العارفُ بالشعر هو من يُدفعُ إلى مضايقه بتعبير أبي نواس؟ ليس من شك وأن الطريق إلى الحداثة مفخّخ بالحفر والمنحدرات، في أن الكتابة الشعرية هي محاولة لاستجماع كل ما هو متشظٍّ وسرّي في الذات الشاعرة، في نوع من التناغم المفقود في الأصل، ضدّاً على كل القيم الشعرية الارتكاسية، ولصالح الكينونة المجاوزة.                                                         

أعود إلى الكتابة الشعرية الجديدة بالمغرب، أقصد الكتابة الجديرة بانتسابها إلى الجدة وإلى نخلة الحداثة، وأقول إن الأفق الذي أصبح يتشكل في مشهدنا الشعري، في بعض من منجزه، أفقٌ صادر عن وعي بضرورة الاختلاف والمغايرة والجدة كإحدى اشتراطات الحداثة. ليست الجدة، هنا، تعني، القطع مع الماضي، مع التراث، بقدر ما تعني التذكر في مقابل النسيان ( أفكر هنا في هايدجر)، وهي لا تعني كذلك، بأي حال من الأحوال، الاسترجاع بقدر ما تفيد البدائل dedoublement ، بعبارة واحدة، نقول إنها تُهندم عالم السيمولاكر le simoulacre (2)، المحكوم بالعود الأبدي le retoure eternel عند نيتشه.

                                                                                    -2-

   من بين الشعراء الذين يستحقون الانتساب إلى هذا الأفق الشعري المائز، نذكر الشاعر عبد اللطيف الوراري. وهو شاعر ينتمي إلى حساسية شعرية مخصوصة وأصيلة. أصيلة لأنها لا تقفز على التراث/ الماضي، بل تستدعيه لتحاوره وتخلخله  من أجل إسعاف الحاضر وتخطي مطبّاته نحو المستقبل كواحد من اشتراطاتها، وذلك في استلهام رصين للنظريات الأدبية والفلسفية المعاصرة. وعبد اللطيف الوراري هو واحد من الشعراء الجدد الذين ولجوا عالم الكتابة الشعرية عن وعي كبير باشتراطاتها الحداثية، هو الذي يزاوج في الكتابة بين الإبداع والتنظير. له في الشعر: "لماذا أشهدت علي السحاب؟"(2005)، و"مايشبه نايا على آثارها"(2007)، و"ترياق"(2009). وفي النقد: "تحولات المعنى في الشعر العربي"(2009)، و"نقد الإيقاع:في مفهوم الإيقاع وتعبيراته الجمالية وآليات تلقيه عند العرب"(2011)، وكتاب " الشعر والنثر في التراث البلاغي والنقدي". إن تجربة هذا الشاعر، كما سيتبين لك أيها القارئ، تمثل ما أسميه بحساسية الامتداد والمجاوزة، بما هي حوار إيجابي مع التراث، وتأصيل ذكي لقيم الحداثة.

  وقمين بالإشارة إلى أننا، في هذه الفسحة النقدية، سنكون في ضيافة ديوانه الموسوم بـ"ذاكرة ليوم آخر"(3) الصادر حديثا عن دار التوحيدي. لقد جاء الديوان في حلة أنيقة وماتعة تعكس مدى وعي الشاعر بالهندام الخارجي للغلاف كتبدٍّ من تبدّيات الحداثة، إذ لم يعد في الحداثة تمييز بين المضمون والشكل. يضمُّ الديوان بين دفتيه ستّاً وعشرين قصيدة وملحقاً عبارة عن شهادة في حق هذا الشاعر من طرف الناقد والشاعر العراقي الألمعي علي جعفر العلاق مع قصيدة مترجمتين إلى الفرنسية والإنجليزية والإسبانية.

  وما يلفت الانتباه في هذه الأضمومة هو انتظام متخيلها الشعري، منذ العنوان، في سلسلة الزمان والكينونة على اعتبار أن الأول هو اشتراط الثاني. ليس الزمان هنا سوى الزمن الخلاق، زمن الشعر والكتابة، بحيث يحقق المتخيل الشعري في المتن الوراريّ زمانه الخاص عبر تذويت الزمن والعالم، أي عبر كينونته الخاصة.

وإذا كان مفهوم الزمانية مفهوماً عصيّاً على التحديد والتعريف، فإن جُلّ الفلاسفة يُقرّون بأنها تعني التتابع والتعاقب. والتتابع هو  "نظام يرتكز على مبدأ العلاقة بين (قبل) و (بعد)"(4). والواقع أن الزمن كما يعرفه سارتر هو "الذي يفصلني عن تحقيق رغباتي. وإذا كنت مجبرا أن أنتظر هذا التحقيق، فلأن تحقيق الرغبات هذا يحصل بعد حصول أحداث أخرى. ومن دون تتابع اللحظات التي هي (بعد)، سأكون فَوْراً ما أريد أن أكون، ولن يكون هناك بعد الآن أي مسافة بيني وبين ذاتي، ولا أي انفصال بين العمل والحلم."(5).

 ولئن كان الزمن عند باشلار هو علامات ومجموعة من الرموز تستحكم بالضرورة إلى الآلية التأويلية القادرة وحدها على فكّ شفرات هذه العتامة الأصيلة المُغلفة لوجودنا كما يقول بول ريكور، مع العلم أن الكتابة الحداثية، كعلامات ورموز، لا تقول الحقيقة بقدر ما تخفيها، فإننا سنسعى جاهدين للإنصات لما يهمس به الخفي في هذه الإضمامة بخصوص ثيمة الزمان، بدءا بالعنوان.

  يركز عنوان الديوان ( ذاكرة ليوم آخر) بدرجة كبيرة على محمول الذاكرة. والذاكرة هي عملية التحام بالأبدي عبر وضع الماضي المشرق في صيرورة النهر الهيراقليطيسي أو في ديمومة "العود الأبدي". أما من حيث المبنى فقد جاء العنوان في تركيب جملي (جملة اسمية تتركب من مبتدأ وشبه جملة خبر محمول على النعتية بإطلاق) ماؤه زمني متدفق. وليس الزمن هنا ذا معنى أفقي- فيزيائي، وإنما هو حاضر كسؤال أنطولوجي (هوياتي). سؤال يتوالج فيه الماضي (ذاكرة) والحاضر (زمن الكتابة) والمستقبل (يوم آخر). لكن هل الذاكرة تعني، ها هنا، التذكر المطلق للماضي، فيغدو بذلك، التذكرُ سبيلاً آمناً للتماهي والموت؟ سنقفز على الخطاطة المنهجية لهذه الدراسة لنستبق الأحداث ونرى ما يقوله الشاعر بهذا الصدد:

                     وقفتُ لكم سبب

                     حيث

                    وحدي

                    هناك

                   لذاكرة العابرين انتسبت ! (ص 59)

  إنّ الذاكرة لا تعني هنا سوى العبور والسفر الأورفيوسي للقبض على الحقيقة الوجودية، ومن ثَمّ فإن الزمان الثاوي في خلفية المنطوق هو زمن خلاق ومبدع. والحاصل أن العنوان، كما تبين، ينطوي على بعدين متناقضين للزمن:

- بعد الزمن الأفقي : الماضي – الحاضر – المستقبل.

- بعد الزمن العمودي ( الخلاق) : زمن تحقق الكينونة ( هايدجر).

وكأنّي بلسان حال الشاعر يريد أن يقول الجملة التالية : ينبغي أن أكون أو/ ونكون هكذا...

                                                -3-

   دائما مع السفر الأورفيوسي. السفر في الزمن المستعصي وعلى متن الزمن الخلاق، يستدعي الشاعر عبد اللطيف الوراري مجموعة من الأسماء والأيقونات البارزة في تاريخنا العربي. يستحضرها في حوار تارة،  وكمعادل موضوعي له تارة ثانية، وكقناع يختفي وراءه تارة ثالثة. حضور هذه الأيقونات هو حضور شعلة تحرق الحاضر ( الآن والهنا)، وتضيء المستقبل ( الآتي والهناك). والمقصود في هذه اللعبة الماكرة، دائما، هو الزمن في أفق كينونة محتملة/ مأمولة. وبناءً على هذا الاستدعاء الثلاثي الأضلع يتبدّى الزمان في مجموعة من الأبعاد هي كالآتي:                                                    

1.3. الزمان والنسيان ( المعتمد بن عباد):

في قصيدة " العشاء الأخير للمعتمد بن عباد"، يحاول الشاعر عبد اللطيف الوراري، على لسان الشاعر الأندلسي، إنصاف هذا الملك الذي عاش ومات مغتربا، وذلك من خلال إعادة صياغة الزمن الماضي صياغة جديدة. فالمعتمد في مأدبة أخيرة وفي ضيافة شاعرنا قيد الدراسة، وبذلك يتوالج الماضي في الحاضر، في إطار زمن تقويمي. يقول الشاعر:  

سأكتم الليل ما بي ما استطعت                                                                               

لأنّ زمهريراً كهذا قد يخون،                                                                                 

فلا أمّارة مثلُ نفسي.                                                                                           

كم سمعت لكم من ذكريات                                                                                    

ولا ذكرى معي ادّخرتْ بيتين لي.                                                                             

خيبة في الدهر ليس لها وزن،                                                                               

ولا انتظمت في حرف قافية،                                                                                  

كأنّها بدلٌ في جملتي                                                                                            

                                 ...بدلُ !  (ص12)

لقد مات المعتمد غريباً في أغمات، والحسرة في صدره. وها هي الخيبة تغمره مرة أخرى حتى وهو في عشائه المفترض:

                                 فردّ نفسي على نفسي لتلعن من

                                صدقته وقصصت المستحيل له، فمات !

                               واترك ببالي الكرْمَ يدعو لي.  (ص16)

إن المعتمد بن عباد ، كباقي الأيقونات الأخرى التي سنقف عندها، تخفي من خلا هذا الاستحضار بعدا زمنيا عموديا. ولعل استذكارها كرمز خارج المعطى الأمبريقيempirique لهي محاولة من الشاعر لمنحها خاصية الأبدية.

2.3. الزمان والخيانة (نازك الملائكة):

في قصيدة "قبل هذا التاريخ"، يتساءل الشاعر عبد اللطيف الوراري عن سبب اهتمامنا المفرط بالتافه من الأشياء (الحشائش)، وننسى أو نتجاهل الأجدر بكينونتنا ( الحفيف). يقول:

                     ما الذي يجعلنا نتأذّى من الحفيف،

                    ونظل نهتف بالحشائش

                   ونلوح بأغاني الدهر؟

                   هل نسيتم

                  أنا نراكم في المرآة

                 تلقمون الليل حيتاناً

                كمثل بحّارةٍ سيقوا عَزْفا،

                بينما الأمواج تتضوّر. (ص24)

وببديهة سريعة وغير متوقعة يجيب على هذه الأسئلة:

               لا أرى غير وجه يطوف به آلٌ أشقياء

              فأسمع من القيعان من يقول لي: مُتْ إلى غد

             حيث الحصاد تباركه الملائكة ! (ص 25)

إن الشاعر في هذا المقام الآسر، وهو ينتقد الحاضر ( الكينونة الآنية) بألم كبير، مُقْترحاً – ضِمْناً- كينونات محتملة جدّاً، إنما يتحول إلى كائن لذاته بتعبير سارتر (6). والكائن لذاته " هو الكائن الذي يخلق عبر وجوده، كل الأبعاد الممكنة لتعديمه الخاص" (7). وليس الكتابة بالألم ( الألم بالمعنى الهيجلي) سوى تبدّ من تبديات هذا الوجود المحتمل.

على هذا الأساس أصبحت الكتابة عند شاعرنا تحتلّ موقعاً يتقدّم، باستمرار، في النسق الزمني المعاكس للزمن الأفقي الرتيب. لقد تحولت إلى مجرد فعل أو ممارسة ضد النسيان والثني le pli بتعبير هايدجر؛ وهي، عطفاً على ذلك، حفرٌ أركيولوجي في الأثر  la traceوفي أثر الأثر la trace de la trace ، بله تذكير للمنسي والمهمش (عمدا أو عفوا). يقول الشاعر:

              دم الفجاج

             بماذا أواسيك:

            بالأثر

            أم

           بالصدى؟ ( ص26)

3.3. الزمان والشعلة ( عبد الله راجع):

ثمة في قصيدة "عبد الله راجع" تضمين خلاق لأسطورة برميثيوس البطل الذي سرق نار الحكمة من السماء. شعلة بروميثيوس "كانت علامة على عزلته في هذا الوجود، وبذلك كانت حقيقته الأنطولوجية"(8)، أما شعلة عبد الله راجع، ها هنا، فهي عزلته هناك وهنا، عزلته التي تضيء لنا عزلتنا هنا:

           ذلك عبد الله

           رجع الورد

          محموما

         وهذه أياديه

         تضيء

        هالة

     من قاع ! (ص36)

قدر عبد الله راجع من قدر الشعلة، أي الاحتراق؛ لأن وجود الشعلة " وجود – صيرورة، صيرورة – وجود. فإحساسها أنها شعلة وحيدة وتامة، شعلة في صميم مأساة وجود – صيرورة، تتحطم وهي تستضيء."(9) كما أن حضور الأيادي في هذه الإشراقة، وبكثير من الاقتصاد الكلامي، هو حضور للعمق الذي يتماسّ مع الزمن العمودي الأصيل. وبذلك  ينفتح الداخل على الخارج ويغدو الحدس رؤيا داخلية تستبطن اليقين – المطلق لا كـ(دوغما)  Dogme، أو سائد.

4.3. الزمان والإرادة ( الشابي):

يحيلنا عنوان قصيدة ( إرادة الحياة – تتمة حديثة) مباشرة إلى الشاعر التونسي أبي القاسم الشابي وقصيدته الخالدة ( إرادة الحياة). ولعل تركيب العنوان عند عبد اللطيف الوراري بناءً على عنوان القصيدة- الأصل، يوحي بدلالة الزمن الممتد من الماضي إلى الحاضر وبشكل دائري (مكرور) متجدد: الماضي – الحاضر – المستقبل – الماضي...وهكذا. هو زمن يتفتق بلبوس " العود الأبدي" le retour eternel النيتشوي. نيتشه هذا يحضر أيضا في القصيدة من خلال بعد الإرادة والقدرة على التغيير. إن الحياة عند هذين الشاعرين (الشابي والوراري)، وأيضا عند نيتشه، هي إرادة ورغبة. فهي لا تمنح نفسها للارتكاسي، بل هي رهن إشارة لمن يستحقّها وللأجدر بها:

                        إذا الشعب يوما أراد الحياة

                       فلا أحدٌ يوقف الدم في أُصُص الشّوْق

                      لا الخوف

                      لا الجوع

                      لا مهرجانات ( يا ليْلُ طُلْ)

                      لا المتاريس

                      لا لعلعات الرصاص. ( ص66)

يقول نيتشه عن الإنسان الحر بأنّه "خالق ذاته" (10)، أي خالق حياته. والحياة عند صاحبينا  هي " الحرية التي لن تتحقق سوى بإرادة القوة [...] الحرية هنا بما هي سمو إلى مرتبة الخلق حيث يقرر الإنسان مصيره، ويتحكم في قدره. وأما الموت [ كما عند الشاعرين] فيعادل الفداء عند المسيح والمخاطرة عند نيتشه"(11).

5.3. الزمان والنبوءة المتوقعة (أمل دنقل):

في توظيفه الماتع والمائز لقصة نوح عليه السلام مع الطوفان من خلال قصيدة ( مقابلة خاصة مع ابن نوح)، سما الشاعر أمل دنقل إلى زمن النبوءات القدسي، حيث ظل طيلة القصيدة يبشر بتغير قادم. و يعود الشاعر عبد اللطيف الوراري، في قصيدته (الإصحاح السابع) التي تذكّر عبر ملفوظاتها وإيقاعها الباني بقصيدة مشهورة لأمل دنقل، إلى ذات الزمن ليجيب عن سؤال ظلّ عالقا بالنسبة له/ لنا:

                 يتراءى لعينيّ أن البلاد تفوح

                والسنابل أعدل هذا النهار، فَسُحْقاً

               لقُطّاع أرض السواد، وبُعْداً

               لطوفان نوح  

              يتراءى لعينيّ.. لا شيء، لا شيء.

              قد خرجُوا

             واقفين

             وعن صمتهم

            رُفِع الحرَجُ

            فادخلوا مصر

            يا صحبتي

           آمنين. (ص75)

إن تحقق هذه النبوءة يفيد أمرا واحدا، هو أن المستقبل بالقدر الذي يتميز فيه بالانتظارية، يتميز  كذلك بالتوقع. وإن القراءة الجيدة للواقع، مثلما وقع مع أمل دنقل، تمنحنا إمكانيات التوقع. لذا فمراجعة الماضي المشرق في تراثنا، مفيدة جدا لقراءة حاضرنا والتشوف إلى مستقبلنا، ومن ثَمّ يكون في حوزتنا القدرة على تحديد مصير كينونتنا عبر ما يعرف في الفلسفة المعاصرة بكينونة المجاوزة، أي تجاوز الإنسان لكل ما هو كائن إلى ما هو صائر، وبالتالي نستطيع التخلص من اللحظة.(12)

6.3. الزمان والعمى الرائي ( المعري):          

سأضطرُّ هنا للعود إلى كتابنا " حداثة النص الشعري"، وتحديداً إلى الفصل المعنون بـ (سلوك الأعمى) لأقتطف منه نصّاً نرى فيه إفادة في هذا السياق. ورد في الصفحة 117 ما يلي : "طريق الضرير، طريق القلب والمفارقة. لم يكن طريق بشار بن برد سالكا. ولا طريق أبي العلاء المعري أو طه حسين كان ممكنا. إذ لا مطلق ولا يقين. إنه سلوك الأعمى [...] سلوك يخط مداه بالمطرقة، بالشك، بالاحتمال، بالانقطاع، بالعماء، ناسفاً كلَّ ميتافيزيقا ويقين، ومُفجّراً قدسية الدوكسا وأبدية المصير."(13)

طريق الأعمى، إذن، هو الشك والارتياب. الشك ذاته نجده عند الوراري في قصيدته المهداة إلى أبي العلاء المعري والمعنونة بـ ( تقاليب ضوء). يقول فيها :

                      طريق الماء هو الشك.(ص 95)

ثم يقول في نفس القصيدة ص 99:

                      للعُكّازة- الضوء

                      صراطان

                      وفي الأطراف ليل.

هو ذات الطريق، والعكازة ذاتها التي كان يتحسس بها المعري حفره وشكه وريبته. والزمن نفسه يتكرّر من خلال دائرة العود الأبدي، وبذلك يبدو الزمان على نقيضٍ من الزمن الخطي . زمن يتكرر على الطريقة الدولوزية. يقول دولوز في هذا السياق: "ومن ثمّ ينبغي تصور العود الأبدي كعملية تركيبية: تركيب الزمن وأبعاده، تركيب المتنوع وتكاثره، تركيب الصيرورة والكينونة التي تتأكد من الصيرورة، تركيب الإثبات المزدوج."(14)

                                              -4–

صفوة القول، إنّ الزمان في هذه الإضمامة الجديرة بحداثتها ليس زمانا ًاسترجاعيّاً، وإنما هو زمن تحقق الممكن، أي تحقق الكينونة. والتحقق لا يغدو ممكنا إلا من حيث التجلي والظهور (الآني). لذا، فالتحقق لن يتم في المُتخيَّل الشعري لهذا الديوان إلا من خلال هذه الترسيمة : المستقبل – الماضي – الحاضر.

إن الزمانية لا يمكنها البتة أن تتزمن، عند عبد اللطيف الوراري، إلا انطلاقا من المستقبل؛ فحضور الزمن في الديوان حضور عمودي، وهو بذلك حضور أصيل. فالمستقبل موجود في الحاضر والماضي والحاضر. ليس هو ذاك  الذي يتبع الماضي، بل هو موجود مع الماضي والمستقبل في آن واحد.

 ولئن كان الوجود والعدم السارتريين يلقيان بظلالهما على المتخيل الشعري للمجموعة ككل فإنّ العدم ، لا محالة، قد تمثل من خلال الحاضر – الواقع، فيما الوجود تمثل من خلال المستقبل – الكينونة المأمولة. وهنا نتساءل : أليس الانفصال عن الذات (الأصل) هو عدم؟ أليس الخواء واللاجدوائية التي أصبحنا نعيشها اليوم كذوات فردية وجماعية هو عدم؟ أليس اندفاعنا للخروج من ذواتنا بالتنصل منها والتنكر لها تارة والنسيان دون جدوى تارة أخرى، هو عدم؟

أما بعد، فإن خير ما يمكن أن نختم به هذه الفسحة النقدية هو هذا المقطع الشعري المشرق الذي يتبطن نبوءة للزمن الآتي باعتبار المستقبل أحد اشتراطات الزمانية في هذا الديوان. يقول الشاعر في:

                        من بعيد

                       أسمع الضّوْء

                       يُناديني

                      بِصبر ولسانَيْن، يناديني: تعال

                      ذلك الضّوْء ! (ص85)

الهوامش:

1 –عبد السلام بنعبد العالي، الأدب والميتافيزيقا- دراسات في أعمال عبد الفتاح كليطو، دار توبقال للنشر، ص37.

2- المرجع نفسه، ص30

3- عبد اللطيف الوراري، ذاكرة ليوم آخر، دار التوحيدي للنشر والتوزيع، الرباط، الطبعة الأولى، 2013.

4- سارتر، جان بول، الكينونة والعدم – بحث في الأنطولوجيا الفنومينولوجية، ترجمة د. نقولا متيني، مراجعة د. عبد العزيز العيادي، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، ط.1، أكتوبر 2009، ص198.

5- المرجع نفسه، ص198.

6- سارتر، مرجع مذكور، ص206.

7- نفسه، ص206.

8- محمد الديهاجي، حداثة النص الشعري – قراءة في شعريات المضايق"، مطبعة أميمة، فاس، الطبعة الأولى، 2013، ص53.

9- سعيد بوخليط، باشلاريات- غاستون باشلار بين ذكاء العلم وجمالية القصيدة، منشورات فكر الجيب، الطبعة الأولى، 2009، ص182.

10- نيتشه، عن فؤاد زكريا: نيتشه ، مطبعة فضالة، ص42.                                

11- محمد الديهاجي، مرجع مذكور، ص94.

12- ينظر عبد العزيز بومسهولي، الشعر والزمان- نحو رؤية فلسفية للشعر"، مجلة بيت الشعر، 2009، ص53.
13-محمد الديهاجي، مرجع مذكور، ص117.

14- دولوز، نيتشه والفلسفة، نقلاً عن: عبد العزيز بومسهولي، مرجع سابق، ص52.

أفق التجاور.. هاجس التجاوز

قراءة في ديوان " ذاكرة ليوم آخر" للشاعر عبد اللطيف الوراري

 رشيد الخديري

1. هبة الامتلاء:

  يحيلنا المعنى الشعري الجديد بإبدالاته وفتوحاته إلى الكتابة بطقوس فجائعية، تروم خلخلة السائد وتجاوزه إلى آفاق أخرى، وهذه الخلخلة، في نظرنا، ما هي إلا "إحداث ارتجاج لبناء أصولي إن كانت هذه الخلخلة ستهده وتحطمه فليتحطم"1؛ ولا نقصد هنا، بالارتجاج تلك  القطيعة الإبستمولوجية مع سيرورة الزمن الشعري، بل هو تجسير العلاقة  بين  ما هو تراثي وحداثي ضمن سيرورة معرفية وجمالية منصهرة في رحم الاستمرارية، و لاشك أن هذه الجدلية قد خلقت حركية داخل التجربة الشعرية، وراهنت على امتدادها في السياقات البلاغية والنقدية من أجل امتلاك جهاز مقارباتي يستطيع على مستوى التحليل "بلوغ غياهب النص، مهما كانت أشكاله وانتماءاته الزمنية، على اعتبار أن إمكانية التطوير متاحة بشكل لا يجعلنا نسقط في تعسف الإسقاط أو الانحصار في عقدة السبق" 2، وبذلك يصير فعل الزمن مرتبطاً بمنظومة جوهرية تلغي كل ما هو عرضي، وتفترض سياقات معينة تستند عليها، وتسترشد بها في خلق المعنى الشعري، لأنّ التجربة الجمالية لا تكون إلا "في تأسيسها الذاتي، واكتمالها الذوقي مرهونة بتعزيز التجربة التاريخية لها، كما أن التجربة الفنية لا يمكن أن تكتمل مفاصلها إلا بتوافر قيمة الماضي فيها"3، وهو ذات المعنى الذي يحاول المنجز النصي لـ(ذاكرة ليوم آخر)4 الانخراط فيه ضمن سياقات تفترض ( امتصاصاً كلّياً) للطاقة الشعرية، وجعلها في صلب انشغالات النص الشعري، وما يبدو واضحاً من خلال تجربة عبد اللطيف الوراري، إذ أنّه يراهن على بنية التداعي كآلية من آليات التناص مع الذاكرة الشعرية، ونعني بذلك نسج حوارات مع الشعرية العربية برموزها، عبر تكثيف الزمن في لحظة إبداعية منسجمة مع هواجسها ورؤاها.

بدءاً من عنوان الديوان، يبدو لنا أن الزمن يحضر بكثافة مؤلمة في هذه المجموعة، بحيث "إنّ للماضي، وللفقدان، وللشجن القديم حضوراً فاجعاً، وهو ينحدر إلينا قديماً ومتجدّداً، من ينابيعه النضَّاحة باليتم الفردي والإنساني، من الأب الجسدي الشخصي، نزولاً إلى آباء الفجيعة الكبار: جلجامش، المتنبي، المعري، المعتمد بن عباد، ومن المتفجعين الساخطين من الأجيال اللاحقة: نازك الملائكة، أمل دنقل، عبدالله راجع، سركون بولص"5. والجليّ الآن هو أن تجربة عبد اللطيف الوراري الشعرية  تستمد طاقاتها التعبيرية من روافد وأقانيم متعددة، وتتجاذبها جماليات عصور وأزمنة مختلفة؛ يقول راصداً تجربته الشعرية: "بالنسبة لي، وقياساً إلى تجربتي الشعرية، فإنّ التراث الشعري العربي بوجوهه وعلاماته المضيئة كان دائماً أحد مصادري الأساسية، إذ تنوعت قراءاتي للشعر العربي بين القديم والحديث، فتعرفت على سحر الجاهلية، وحداثات المتنبي وأبي العلاء المعري العابرة للأزمنة، ورقة شعراء الغزل في نسج رؤاهم للحب ومعاناته، وسخاء الطبيعة عند الأندلسيين، وفيما بعد- تحت شعور بالعجب والصدمة- تعرفت على حيوية الشعر الحر في عبوره إلى العصر وحداثته ونهوضه بمتخيل شعري جديد، وعلى مفارقات محمد الماغوط، وأمل دنقل، ومظفر النواب، وأحمد مطر الساخرة في نقد الواقع السياسي والاجتماعي، وعلى شعريات محمود درويش وسعدي يوسف و أدونيس و على جعفر العلاق، وقاسم حداد وأنسي الحاج، وسركون بولص، ومحمد بنطلحة العابرة بالشعر العربي إلى الكوني"6، و بذلك تكتمل سيرورة الزمن الشعري في ديوان (ذاكرة ليوم آخر)، نظراً لتوغُّله في بنية شعرية تمتح جمالياتها من هُويّة متحولة باستمرار، وتُجدّد آلياتها وفق هواجس التجاوز من زمن إلى آخر. ولعل مفهوم الزمن عند عبد اللطيف الوراري ينبني على حركة كبرى، لكنها تعبرها تلك الفجوات التي يخلفها المعنى الشعري عند كل انعطافة، وهذا في نظرنا مؤشر على كتابةٍ يصير هاجسها الوحيد: حتمية تجاوز السائد وكسر طوق الزمن بقصيدة متوثبة، منتمية إلى الزمن الشعري. والمهمّ حقيقةً "أنّ هذه الكتابات، رغم اتساع المساحة، تبدو، إذا استثنينا بعض الحروف الطفيفة، محكومة بقلق البحث عن لغة تتجاوز سقف الجيل السابق، محاولة بذلك أن تكسر الطوق وتخرج إلى رحاب أوسع"7.

يبدو واضحاً أن عبد اللطيف الوراري يكتب قصيدة تخترق زمنها الراهن، وهذا مؤشر على الاحتماء بشعريات الرؤيا كمكون أساسي للقصيدة الجديدة، يحفزها رهان التحديث في أفق تجاوز ترسبات الماضي؛ فديوان (ذاكرة ليوم آخر) يستمد طاقاته التعبيرية من العودة إلى التاريخ الشعري بقدرما يتجاوزها برسوخٍ معرفيّ، وفي ذلك تأكيد على أن القصيدة- وإن كانت تحمل صفات التجدد- لابد لها من جذر تنطلق منه، وترسم به ملامح التجربة الشعرية، "ونعني بهذا الجذر أن تكون للشاعر تلك " الطاقة التحويلية" التي بها تصبح كل لحظة في كونه الشعري بؤرة الضوء لكل ما تشعه العلاقات البشرية الحية المتحركة، والمتناقضة- المتقاطعة في وقت واحد"8. إنّه عملية شحن للذاكرة بكل الاحتمالات الممكنة في سياق النمو الذي عرفه الشعر العربي المعاصر، ولا بدّ هنا من امتلاء الذات بلحظات التوتر الداخلي في انسجام تام مع الرؤى والتفاعل الإيجابي مع تحولات العالم الخارجي. ويعنينا هنا وعي عبد اللطيف الوراري بحضور الماضي الشعري العربي وانخراطه في حركة الشعر، كسيرورة جمالية وليست زمنية، لكنهما يتقاطعان بانتمائهما إلى كون شعري عربي محض. يقول الشاعر مسترجعاً ذكرى عبد الله راجع:

من أمس

مثل شارد

أسأل عنه.

أسأل البلاد في يوم الحصاد

والحصاد من دم الطاعون

ثم أسأل الريح التي لم تر،

والباب الذي تصفقه وراءها

كجملة تعوي من الإيقاع

لما ولدت كنت قد سألت

باب البحر9

  في هذا المقطع الاستيهامي الحلمي، يستعيد عبد اللطيف الوراري سيرة عبدالله راجع، ذاك الشاعر المنفلت، الرائي؛ والملاحظ أنّ ثمة تمازجاً بين زمنين: زمن الماضي المتمثل في عبدالله راجع، وهذا الماضي محكوم ببنية مساءلة ( أمس- الشارد- سألت....)، وهذا ما سميناه في البداية بـ (شعرية الامتلاء بالجذور)، والمساءلة هنا ليست محض مصادفة، أو تلقائية، بل هي " انحياز" ووعي بتمثلات الارتباط بالماضي الشعري، ثم زمن الحاضر بكل إرهاصاته الشعرية والجمالية. فهذه القصيدة تحمل بين طياتها الحلم والذاكرة، وتقدم  مفهوماً للشعر ميسمه الأساس الامتداد في الجذر الشعري، والارتطام الدؤوب بنبض القصيدة ورهاناتها المستقبلية، يقول :

هبّت نأمة

من ثبج الأمواج

إذا تهمس لي:

ذلك عبد الله

رجع الورد

محموماً

وهذه أياديه

تضيء هالة

من قاع 10

لقد حافظ عبد اللطيف الوراري على "سرّ ذاك الخيط اللا مرئي الذي ينقل السيال الشعري من العالم الداخلي المحتدم، والذي هو ليس من طبيعة لغوية، إلى عالم اللغة، فهو لا يكتب كلمات وإنما يترجم أعماقه"11. ومؤكد أن درجة الامتلاء الشعري قد بلغت أقصاها، مما ترك انطباعاً لدى المتلقي بقدرة القصيدة على تحريك تلك المياه الراكدة في أعماقنا، وتلك المجازات المبللة بغيمات شعرية، ولا يعني ذلك التغرب في مجاهل المعنى الشعري، ومحاولة تقييمه بالإرهاص وهاجس القارئ الخارق، "فكل تعريف للقصيدة هو خاطئ بالضرورة، لأن العمل الشعري يظل متعاليا عن كل تعريف، ... للقصيدة ألف وجه، وثمة في عمقها شيء يستعصي على الفهم، ويمنح النقاد تفاسير متعددة ومختلفة، كل واحد منها ينطبق على وجه من وجوه القصيدة، بيد أن التفسيرات مجتمعة هي عاجزة عن استنفاد قصيدة حقيقية، لأنه كما أن الشعر يحتوي على المعلوم يحتوي على المجهول"12؛ وديوان ( ذاكرة ليوم آخر) لم يكشف كل أسراره بعد، بل هناك أسرار أخرى متخفية وراء الغيوم.

2. مغامرة الإيقاع:

للشعر عند عبد اللطيف الوراري جانبه الإيقاعي؛ والإيقاع في تصورنا لم يرتبط بالحوار أو التداعي، أو البناء التيماتي أو تشكيل الصور والمجازات، وإنما ارتبط بطبيعة المعنى الشعري، وتجلياته الجمالية، أو بشكل أدق: بدرجة الامتلاء الشعري، وهنا لا نريد طرح تلك الأسئلة البدهية: هل هو إيقاع عروضي، أم إيقاع نبري؟ بل إننا  ننظر إليه كقيمة فنية في النسق البنائي العام للقصيدة، والملاحظ أن حركة الإيقاع في ديوان ( ذاكرة ليوم آخر) إنّما تعتمد على (المتتاليات الصوتية)، صحيح أنه حاول أكثر من مرة العزف على بحري المتدارك والمتقارب أو المزج بينهما لانتمائهما إلى نفس الدائرة العروضية، إلا أن ذلك بدا خافتاً في مواجهة الإيقاع الداخلي المعتمد بالأساس على تراسل الحواس وبنية الحروف والبناء الجملي، "فالعلاقة بين النص الشعري والبناء الإيقاعي ليست آلية تتمثل في تحقيق كليهما للآخر، بل إنها علاقة معقدة يشوبها التوتر، فلكلّ نص بناؤه الخاص النابع من موسيقى النص، كما أن البنية الإيقاعية تمثل صورة نفسية للشاعر قبل أن تكون نظاماً" 13. وفي هذا السياق يمكن القول إن الإيقاع بشكله العام هو صورة لاهتزازت نفسية وحالات من التوتر المصاحب لعملية تصريف الامتلاء الشعري، وعبد اللطيف الوراري هنا لا يبدو شاعراً غنائيّاً، بقدر ما يستخدم الإيقاع في مفاصل القصيدة حتى تتكامل الرؤيا وتتجدد في مسار التجربة الشعرية، بمعنى أنه إيقاع (إدراكي) يتأسس على الصيغ اللغوية والصور الشعرية وجماليات الفنون البلاغية والبيانية، وفي حالات أخرى ينبني على الرؤية البصرية حيث ( التنضيد الذي يتم من خلال البيت الشعري المشطور مع القافية المتكررة نهاية كل بيت)14. وبذلك  تبدو القصيدة عند الشاعر وكأنها "تحاول أن تؤسس نظاما إيقاعيا، متفردا تستمده من طاقاتها الخاصة، معولة في ذلك على نظام الحركات والعلاقات معتمدة أيضا على تداخل الأزمنة وتنوع الصور" 15، وسوف نرى ذلك من خلال تتبع بعض القصائد، حيث الإيقاع البصري ( الأيقوني)  يمتد على مساحات شاسعة، بالإضافة إلى توالد الصور الشعرية وتواردها، والجنوح نحو روي يوحد الحركة الإيقاعية، يقول الشاعر:

تجوعُ ريح

بباب الكرْمِ

أسمعها تجوعُ 16

الملاحظ في هذا المقطع الصغير، أن ثمة مزج بين بحري المتقارب والمتدارك حيث التقطيع العروضي سيقودنا إلى ما يلي:

--0- -0-0

--0-0 -0-

-0 ---0 –0-

فعولُ فعْلنْ

فعولنْ فاعِ

لنْ فعلُن فعولُ

  لكن هذا المقطع الاستهلالي من قصيدة "العشاء الأخير للمعتمد بن عباد"، في الحقيقة، إنّما يجري على بحر البسيط، وهو أحد البحور المركبة الني ندر أن يلتجئ إليه الشعراء لطبيعته الإيقاعية المعقّدة. فالقصيدة تواصل دفقها الإيقاعي مازجة بين موسيقى الخليل و إيقاعات البنية الداخلية، مما يُفجّر من داخل للقصيدة تشكيلات إيقاعية غنيّة ومتنوعة تتصادى مع عمق التجربة الشعرية ومعاناتها، إلى حدّ يكمل معه "التأثير النفسي لدى السامع والقارئ"، وإلى حدّ أنْ "تنبع موسيقى الشعر الجديد من تناغم داخلي حركي يمكن الألفاظ من حمل شحنات موسيقية مناسبة لانفعال الشاعر ودفقاته الشعورية"17. لقد جعل عبد اللطيف الوراري من الإيقاع بمعناه الكلّي دالّاً مائزاً في خطابه الشعري، وهو ما يفسر اهتمامه كثيراً بمجموع عناصر الإيقاع، مدمجاً الرؤية في السماع، على نحو ما يشكل إغناءً للجانب الموسيقي بخلق أنماط من التوقيع، أو التقفية: من القوافي الداخلية التي تتوهج بين الأسطر الشعرية وتنظم الأحاسيس الداخلية التي تعتري كل شاعر، إلى القوافي الخارجية التي تقفل نهاية الأسطر وتنظّم مقاطع القصيدة بشكل يتساوق مع حركة المعنى ودلالية الخطاب. ففي قصيدة (العشاء الأخير للمعتمد بن عباد)، يتوارد (حرف اللام) كروي ينظّم القصيدة، مانحا جرسا موسيقيا بدلالات صوتية تتناسب ودرجة الانفعال الشعري:

أطولُ- الأملُ- لم يصلُوا- بدلُ- تجفلُ- سحلُوا- تسلُ- ما العملُ- البللُ

رويُّ ( اللام) ، وما يمنحه من دلالات صوتية تتلاءم مع التوتر الانفعالي، ساهم في تشكيل منظومة إيقاعية تعلو وتخفت حسب طبيعة المعنى الشعري أولا، ثم التحفز نحو خلق جرس موسيقي حسي متنوّع، خطي وأيقوني، ينبع من طبيعة بحر البسيط الإيقاعية، أو يتناسل عنه من بحور قريبة منه مثل المتدارك  والمتقارب والسريع يوحي بها توزيع الأسطر وتنضيدها البصري نفسه. إن الشاعر في هذه القصيدة وشبيهاتها، حجماً وتقنية، ليس فقط يبدو منشغلاً بالإيقاع في كلّيته التي تجمع بين الدفق والانسيابية والتنوّع، وإنما متورّط في مغامرته؛ فهو "يجازف في الجمع بين ما لا يجمع إلا بمشقة، أن يأتي الشعر والنقد بعدة مزدوجة، برهافة لا تربك انضباط الوعي، واستعداد معرفي لا يجرح وردة الخيال.."18.

 وتأسيساً على ما قيل، فإن عبد اللطيف الوراري يعجعل الإيقاع عاملا أساسيا في التأثير الجمالي للقصيدة، فهو ينتقي الجرس الموسيقي المناسب لترجمة تموجات الانفعال ومقتضى التجربة نفسها، فلا يقف طويلا عند حدود الإيقاع الخليلي بقدر ما ينشغل بتأثيث الفضاء النصي بموسيقى داخلية، تضمن حرية أكبر في التعبير عن مكنونات الروح، وبجهد أيسر للوصول بالمعنى الشعري إلى قممه الجمالية والبنائية والإيقاعية.

3. حدود الشعري والنقدي:

- هل ثمة مسافة بين النقد والشعر؟

يمتلك الشاعر رؤى تؤهله للنفاذ إلى الدواخل، واحتضان التفاصيل- مهما بدت صغيرة- والعمل الدائم على تطويع اللغة وتشكيل الصور والمجازات، لعل في ذلك" تمزيق" للواقع، والامتثال إلى الصدى الذي تخلفه مكابدة الكتابة وهوسها الشديد بالانغماس في مفارقات وآفاق تعبيرية جديدة، بخلاف الناقد الذي يجنح نحو الانشغال بالنص كولادة ثانية، لكن بطرق وآليات تختلف كليا عن الكتابة الشعرية، وقد أدى هذا الاختلاف إلى بروز (فجوات) في اشتراطات القصيدة الجديدة، خاصة إذا قرر الشاعر أن يختبئ وراء نافذة النقد كي يطل على عالم الشعر، وهذا هو الفضاء الذي تتحرك فيها انشغالات عبد اللطيف الوراري: كتابة الشعر والكتابة عن الشعر. بالطبع، لن يكون التوجه من الشعر إلى النقد مرتجلاً، بل هناك ما يبرره، وفي وسع الشاعر أن يجمع بين النقيضين، شريطة التخلص من عبء الذاكرة، وشحذ كل الطاقات التعبيرية. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل أقام عبد اللطيف الوراري في تجربته الشعرية (ذاكرة ليوم آخر) حدوداً بين الشعري والنقدي؟ سؤال كهذا" يفجر" جدلا عميقاً في بنية كل خطاب، فمادة الشعر هي التخييل والرؤى، أما الكتابة النقدية فهي آليات ومنهج، وثمة إلغاء للطابع التخييلي أثناء عرض التجربة الشعرية. صحيح أن عبد اللطيف الوراري عمل جاهداً على ( الجمع بين ما لا يجمع)، أن يأتي النقد بعدة الناقد، المتمرس، ويتم التخلي كلياً على شخصية الشاعر حتى حين، أو يخترق المعنى الشعري بهيئة المبدع المطلق، فينزع إلى الخروج الكامل، والواقع أن هذا الرهان صعب التحقق، فلا يمكن أن يكون هناك خروج كامل أو نزوح مطلق سواء إلى تلك الجهة، أو الجهة الأخرى، طالما أن السيرورة الأدبية تقتضي تواؤما تاما بين النقيضين. لذلك، فإن نصوص (ذاكرة ليوم آخر) جاءت محملة بأسئلة المنجز النقدي، حيث نلحظ "صرامة" تَحُدُّ من ذاك الدفق الشعوري المفترض ويحميه من الترهل بكيفيّة تنمّ عن وعي ممارس للقصيدة وعليها؛ فالقصيدة لم تعد مجرد كتلة من المشاعر، بل هي تجربة متكاملة ومتجانسة مع كل الاحتمالات الممكنة. طبعاً، يمكن القول إن الدفق الشعوري متاح في العمل الشعري، لكن " تقنين" هذا الدفق من شأنه الرفع من منسوب النص، وتحقيق متعة القلب والعقل معاً. وإذا كان الإمتاع  لا يؤدي حتما إلى الإشباع، فهو خاضع للانفعال الحسي، ينتهي سحره بمجرد الانتهاء من قراءة القصيدة، أما الإشباع الذي يأتي من الإقناع، فهو من شروط القصيدة الجديدة.

تبقى تجربة عبد اللطيف الوراري شعرياً ونقدياً، تجربة غنية بانعطافاتها وتجلياتها، ومن المؤكد أنها ترسم لنفسها خطا تصاعديا نحو الكتابة بنفس مغاير، تمتح سماتها العامة من الشعرية العربية الراهنة، دون التوقف عن مساءلة المعيارية القديمة جماليا وإيقاعيا وبنائيا، وما هذه الدراسة إلا تأكيد على تفرد هذه التجربة، وبحثها الدؤوب عن انشغالات الممكن والمحتمل، الآني والغائب، المتخيل والواقعي، الإمتاع والإقناع في أفق بناء معنى شعري يتجاوز السائد ويستشرف الآفاق المتخفية وراء كل شاعر وناقد على حد سواء.

هوامش الدراسة:

-1- رضوان ابن عربية، مساءلات جديدة للشعرية العربية، في ضوء "الثابت والمتحول" لأدونيس، ط 1 2007، منشورات المتقي برينتر- المحمدية- ص 5.

-2- عبد الرحيم أبو الصفاء، حداثة التراث: شعرية التناص وجمالية التلقي، منشورات إتحاد كتاب المغرب، ط 1 2013، ص7.

-3- خيرة حمر العين، جدل الحداثة، منشورات إتحاد كتاب العرب، 1996، ص 8.

-4- عبد اللطيف الوراري، ديوان " ذاكرة ليوم آخر"، دار التوحيدي للنشر والتوزيع، ط. 1، 2013.

-5- أنظر كلمة الشاعر والناقد العراقي علي جعفر العلاف في ظهر الغلاف.

-6- سعيد بوكرامي، استطلاع عن أزمة الشعر العربي، مجلة الجوبة، العدد 42، فبراير 2014، ص 122.

-7- محمد لطفي اليوسفي، في بنية الشعر العربي المعاصر، مرجع سبق ذكره، ص 21- 22.

-8- حسين مروة، إجازة مع محمود درويش، مجلة الطريق، العدد 05، أكتوبر، 1979، ص، 30.

-9- قصيدة" عبدالله راجع"، ديوان" ذاكرة ليوم آخر، مرجع سبق ذكره، ص 33.

-10- الديوان نفسه، نفس القصيدة، ص 34.

-11-خالد النجار، سراج الرعاة- حوارات مع كتاب عالميين-، منشورات مجلة الدوحة، فبراير 2014، ص82.

-12- خالد النجار، نفس المرجع،ص 23.

-13- ناصر سليم محمد لحميدي، محمد عباس محمد العرابي، تطور البنية الإيقاعية في القصيدة العربية المعاصرة، مؤسسة الانتشار العربي، ط.1، 2012، ص 23.

-14- المرجع نفسه، ص 218.

-15-محمد لطفي اليوسفي، في بنية الشعر العربي المعاصر، مرجع بق ذكره، ص  131.

-16- من قصيدة: العشاء الأخير للمعتمد بن عباد، ص 11.

-17- سعد الحاوي، فنية التعبير في الشعر الجديد، ص 125.

-18- أنظر كلمة الشاعر والناقد العراقي علي جعفر العلاق في ظهر الغلاف.

شعرية الاستدعاء في ديوان "ذاكرة ليوم آخر"

كريم ترام

   يعد ديوان "ذاكرة ليوم آخر" هو الرابع في مسيرة الشاعر والناقد عبد اللطيف الوراري، بعد "لماذا أشهدت علي وعد السحاب؟" ، و"مايشبه نايا على آثارها "، و"ترياق" ، فضلا عن كتب نقدية: "تحولات المعنى في الشعر العربي" ، و"نقد الإيقاع: في مفهوم الإيقاع وتعبيراته الجمالية وآليات تلقيه عند العرب"، و"الشعر والنثر في التراث البلاغي والنقدي"، و"في راهن الشعر المغربي: من الجيل الى الحساسية". تحاول هذه الورقة كشف اشتغال الشاعر على شعرية الاستدعاء، بما يعضد سلطة النص ويخصب معانيه، ويفتح أفق تلقيه . ويتبدى هذا الاشتغال في :

1-استدعاء الشخصيات :

استدعى الشاعر مجموعة من الشخصيات في ديوانه، "فهو لا يفعل ذلك عبثا، بل إنه يتوخى، من خلال ذلك، استحضار ما يحيط به من أجواء... وأحيانا يستدعيها لأداء حمولات دلالية

ومن الشخصيات الواردة في المتن الشعري نجد : المعتمد بن عباد ، نبي الله يوسف، سركون بولص، عبد الله راجع، أبو الطيب المتنبي، أبو القاسم الشابي، نازك الملائكة، أبو العباس السبتي، أبو العلاء المعري، نبي الله نوح، ابن زيدو .

ونصنفها وفق الشكل الآتي :

شخصيات أدبية: المعتمد بن عباد، ابن زيدون، سركون بولص، عبد الله راجع، أبو الطيب المتنبي، أبو القاسم الشابي، نازك الملائكة، محمد الصغير أولاد، أبو العلاء المعري .

شخصيات دينية : نبي الله نوح، نبي الله يوسف .

شخصيات تاريخية : فرعون

2-استدعاء النص القراني :

يحضر النص القرآني في الديوان تصريحا وتلميحا، ويمكن أن نستدل على ذلك بالأسطر الشعرية الآتية:

"فلا أمارة مثل نفسي" ص 12.

"لم يفت يوسف في رؤياي" ص 13.

"أتاه بأنباء من القرى" ص 33.

"فادخلوا مصر

يا صحبي

آمنين" ص 75

أيها الصديق" ص83.

يتناص السطر الأول والثاني والرابع والخامس مع آيات واردة في سورة يوسف، فيما يتناص السطر الثالث مع الآية مائة من سورة هود. ويبدو من خلال هذا الاستدعاء التركيز على سورة يوسف لجمالية تصويرها وبلاغة قصتها وسمو مكانتها .

3- استدعاء النص الشعري :

للشعر نصيب وافر من الاستدعاء، لأن الشاعر يريد تعميق رؤاه الشعرية وتخصيب تجربته . فليس من باب الغرابة أن تحضر بعض الأبيات والأسطر الشعرية، فنصادف كلمة (قيدي) الحاضرة في بيت شعري شهير للمعتمد بن عباد :

"قيدي أما تعلمني مسلما"

واستدعى بيتا شعريا من لامية العرب :

وأستفُّ ترب الأرض كي لا يريبه من الطول، امرؤ متطول

فحذفت جميع ألفاظ البيت وتم الاحتفاظ بجملة (يستفّ ترابا) في قوله :

"تركت العمر

يستفُّ ترابا لي".

وفضلا عن ذلك، نصادف بيتا شعريا لأبي القاسم الشابي: إذا الشعب يوما أراد الحياة؛ فحافظ الشاعر على صياغته دونما تغيير لاستلهام روح النضال التي واجه بها التونسيون المحتل الفرنسي، وتعزز بثورة أواخر 2010 ضد الطغيان والاستبداد .

وغير من لفظ البيت الشعري :

يا حادي العيس لا تعجل بها وقفا   ياحادي العيس عرج كي أودعهم

فصار في قوله :

"ليس حادي الوهم" ص28

4-استدعاء المكان :

يستحضر الوراري أمكنة دالة مثل ميدان التحرير في مصر باعتباره مهد الثورات التي شهدتها مصر في 1919 وفي عهد مبارك، ثم خصص قصيدة كاملة لأغمات المرتبطة بقبر المعتمد بن عباد ملك اشبيلية وهو القائل :

فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا  فساءك العيد في أغمات مأسورا

ترى بناتك في الأطمار جائعة       يغزلن للناس ما يملكن قطميرا

وبما أن دكالة مكان ولادة الشاعر فقد ألمعت إلى مدى حنين وشوق الشاعر إليها بما تحمله من ذكريات الطفولة وجمال الطبيعة وبساطة الناس .

وخلاصة القول، فإن الاستدعاءات الواردة في الديوان تكشف سعة اطلاع الشاعر على نصوص متعددة بمرجعيات مختلفة، إضافة إلى أن قصائده في حاجة لقراءات أخرى خاصة من الناحية الكاليغرافية .

 

بمناسبة صدور ديوانه "ذاكرة ليوم آخر":

عبد اللطيف الوراري: طفرة الكتابة تُضيع المعنى

3264762438

   حاوره: عبد الدائم السلامي

س: يلاحظ المتتبّع لشعرك وجود تحوُّل معرفي وجمالي إلى حدّ أن نتحدث عن خواصّ تعبر تجربتك الشعرية،. هل تتّفق مع القول بأنّ ذلك يتمُّ انطلاقًا من عمل الذات وإشراقاتها في علاقتها بالفضاء واللغة والتاريخ، بشكل غير محدود؟

  • أزعم أنّ ذلك الانتباه دقيق إلى حدّ معقول. في ديواني"لماذا أشهدت عليّ وعد السحاب؟"، والديوانين التاليين "ما يُشبه نايًا على آثارها" و"ترياق"، كنتُ حريصًا على تطوير حاسّتي الشعرية داخل الغنائية التي تهجر ميدان "السنتيمنتالية" لتحتضن مُتخيّلًا ناهضًا يدفع بالذّات إلى أقصاها في مخاطبة المطلق عبر وجوهٍ وحيواتٍ وعوالم متعدّدة. فلا يعنيني في الكتابة التي أُكبّ عليها بقدر عنايتي بإيقاع الذات والعمل عليه داخل البناء النصّي الذي ترفده موسيقى هامسة من الإيقاع، ويسهم فيه تنويع التراكيب، مثلما عنايتي بالتصوير الشعري وإدارته في إطار من الحوار الخارجي الذي يستبطن الحالات الشعرية المختلفة، وهو ما يُطْلق ذاتيّتي ويشفُّ عن إشراقاتها وشرطها الأنطولوجي، وعن تشوُّفها الشاق عبر معراج الذكريات والأشواق إلى المطلق. إنّها تُقاوم حتى لا تتلهّى عن حماية الأمل الذي يوقظ ولا يعمي الرؤية، ويترك الوعد بالحياة ولغتها قائمًا على الدوام. لقد صار قلق الكتابة يتلبّسني أكثر من ذي قبل، في عصرٍ قياميٍّ كهذا.

س: هل يُواصل ديوانك الجديد "ذاكرة ليوم آخر" هذا الانتباه، أم أنَّه يُحقّق طفرة ويحدث انشقاقًا في التجربة؟

  • هذا الانتباه لا زال، لكن لا معنى أن تكتب بدون أن تكون لديك رغبة في أن تتحوّل باستمرار. ذلك قلق الكتابة الذي يهجس بروح التجربة ويشرعها على صمت الجهات. مفهوم التجربة نفسه يتطوُّر إلى صيغة أن يكون للكتابة شرْطٌ إنسانيّ تتّخذه الأنا الشعرية للتعبير عن رؤيتها الخاصة للعالم، حتى وهي تسرح في فضاء الأيقونة التاريخي والرمزي، كأن تتلفّظ بأنا- بغداد، والقدس، ومراكش؛ أو أنا- المعري، والمعتمد بن عباد، وأبي العباس السبتي، إلخ. ذلك هو أنا- الوعد باللغة. ذات التّلافُظ إذا جاز القول. ففي الديوان يتمُّ الإصغاء إلى الفردي بقدرما إلى الجمعي بشكلٍ غير قابل للفصل. الطفرة تحدث في هذه المسافة من "ضياع المعنى" حيث يمكن لأنا الكتابة أن تنكتب باستمرار.

س: يُلفي قارئ دواوينك الشعرية الأربعة ميلًا فيها إلى تهشيم عمود الاستعارة التقليدية وتفجير إيقاعاتها. لكن في "ذاكرة ليوم آخر" هناك توجُّه يراهن على تزمين الشعر بشكل يشي بالحسّ المأساوي للزمن النفسي والفيزيقي للذات الشاعرة، أو عليها بالأحرى؟

  • أجل، يشعر القارئ بأنّه مغمور بإيحاءات الزمن الذي يتمّ نقله بالتقسيط إلى أن يصير بالكثافة التي تُؤذي في الصميم. وبما أنّ البوصلة توحي، في الغالب، بضياع المعنى كأليغوريا لضياع معنى الحياة والعالم والتّاريخ، إلا أنّ التزمين سرعان ما يظهر بديلًا عن المعنى المبحوث عنه، إذ هو فاغرٌ فاه في كلّ جهة. لكن ما يهمُّ الذات ليس ما يدلُّ عليه الزمن، بل ما يتركه عليها من ندوب، من ندب الشعر إلى ندب الخطوة: "أسفل السهو، أعلى النُّدوب".

س: وهذا ما انعكس بشكلٍ واضح على لغة التجربة..

  • بلا شكّ في ذلك. بموازاةٍ مع سيرورة البحث عن المعنى وفيه، تتخفّف اللغة وتمثيلاتها الذهنية والرمزية من "قرينة البراءة"، وتعمل على مكبوت الأنا/ الآخر وتقسيطه عبر شذراتٍ لا تقول أكثر ممّا تُشير، ولا تُثبت أكثر ممّأ تعكس. ليس المقصود بهذا المعنى، تبرئة ساحة الذات من معركة تعجُّ بالجثث، بل تضويئها بخلفية تتصادى مع تجارب التاريخ المنسي و"ينابيعها النضّاحة باليتم الفردي والإنساني"، لأجل أن تبقى اللغة وسيطًا لا حجابًا.

س: في ديوانك تزاوج بين قصيدتي التفعيلة والنثر، هل تريد أن تستمزج تجربة البحث بشكْلٍ يخلق "إيقاعًا ثالثًا" متخفِّفًا من الغنائية والنثرية معًا؟

  • كما اللغة، يحاول الإيقاع أن يتقفّى أثر التجربة ويتجاوب معها، لذلك ينوّع مصادر اشتغاله عبر اللغة وخارجها، إذ لا يعنيني التوقيع بقدرما الجَرْس الذي يلفت القرينة من غفلتها، ويبعث شتيت المعنى من سقطه المهدور. نلمس ذلك بأشكال متنوّعة ومُشظّاة من نصّ إلى آخر، ومن شذرة إلى آخرى، حيث يعبر الإيقاع في اللغة مدركًا ومحسوسًا وباترًا ومرئيًّا أو غير مرئيٍّ. وسواء كان داخل قصيدة التفعيلة أو قصيدة النثر، فإنّ الإيقاع مُفكّرٌ فيه كأثر لا كعلامة، وهو يتّكئ، باقتصاد بليغ وعبور هامس، على مجمل "اللونيّات" و"الفراغات" التي تأثر عن توتُّرات اللغة وتجاويفها في علاقتها بملفوظ الأنا. من ثمّة، يمكن لنا أن ننعت هذا الإيقاع، تجوُّزًا، بأنّه "إيقاع ثالث"، لا هو إيقاع الوزن الذي يتردّد على مسافات منتظمة، ولا هو إيقاع النثر السيّال كيفما اتّفق.

س: وما قصّة بيتي المتنبي الذين تفتتح بهما ديوانك الجديد؟

  • لا أنظر إلى المتنبّي كأب، بل كعلامة ترقيم ليس لها شبيه في متوالية الشعر العربي. والعودة إليه دائمًا ما تأخذ شكْلَ إصغاء أكثر من احتفاء أو مجرّد ذريعة. إنّه من تلك القلّة الهائلة التي لا تزال مصدر إلهام، وشعره إلى اليوم يخرق جدار الزمن. ما يهمُّني في بيتي المتنبّي:

               يُقاتِلُني عَلَيْكَ اللّيْلُ جِــــدًّا     ومُنصَرَفي لَهُ أمضَىى السّلاحِ

               لأنّي كُلّما فـــــــارَقْتَ طَرْفي     بَعــيدٌ بَيْـــنَ جَفْنــي والصّـــباحِ                                                                                                  

هو هذا الانتباه، الحدس بالزمن ومعاركته بهشاشة الحالم الذي يعبر ليل القصيدة بطعم الخيبات وشرط الجراح. لكنّه من كتب "أناه" في تناقضاتها بصدق وبلا تردُّد ومداهنة.

س: هل أنت مع من يقول إنّ شعر المتنبّي أكثر حداثة من أغلب شعرنا "الحديث"؟

  • المتنبّي أكبر من هذا القول، وهو لا تنفعه مزايدات أو تجميلات أحد. إنّه وحيد شعره، و"المعجز" بعبارة أبي العلاء المعري.

س: إلى ماذا تُرجع عزوف الناس عن قراءة الشعر الآن؟  وهل يمكن اعتبار سيطرة التكنولوجيا بعوالمها الافتراضيّة على المعيش اليومي سببًا من أسباب تراجع الشعر وضمور التخييل في نصوص الشعراء الجدد؟

  • في الوضعية التي يعبرها الشّعر راهنًا، نحتاج إلى شيء من الرويّة، وإلى إعادة وضع سؤال الشعر في سياق التحوّلات المتسارعة، ومشاغل الكائن الجديدة. بدلًا من أن نسأل هل تراجع دور الشّعر فيحياتنا، يجب أن نعرف هل هناك شعرٌ أم لا، كما يجب أن نعرف هل أدرك الشّعراء سياسات القصيدة في زمنها، بمعنى هل انتبهت إلى الحاجات الروحية والجمالية للإنسان المعاصر؟ وهل ذهبوا هم أنفسهم إلى أمكنة أخرى لبحث الشّعر ومقاربته؟ نطرح هذه الأسئلة من ضمن أخرى متشعبة لنؤكّد على ضرورة الشّعر، وأهمية كتابتَه التي تهتمّ بالمستقبل وتُصغي إليه. ويفرض علينا الفضاء الاتصالي المُعَوْلم الوعي بلحظتنا الراهنة بما يعنيه من تعاطٍ خلّاق ومثمر مع الوسائط الجديدة من أجل التعريف بالشعر ونشره في الفضاء العام. لكن يجب الانتباه إلى أن الشّعر لا يبحث عن دوْرٍ جماهيريّ، أو بالأحرى يُبْحث له عن مثل هذا الدّور، ولا وهم التّمثيل والمحاكاة، ولا عن خطاباتٍ تعزّز الإجماع الكاذب. إنّ الّذين يَرْبطون الشّعر بحالة الطمأنينة، وببلوغ الخلاص إنّما يتحاملون على الشّعر، ويكرّسون فهْم العامّة له كشيْء ساذج وعديم الجدوى. قوّة الشّعر في هشاشته الّتي لا تُزهر إلاّ في العتمة، وترقص على حوافّ الكارثة. وتنبت في الشقوق، وتدبّ بين تصدُّعات الروح. إنّه هذا السفر العابر في الجوهريّ، وفي الشعائر الهامسة، وفي طقوس الحبّ والجمال والغناء، وفي لحظات التأمل والإصغاء إلى الزمن والإحساس به وسخاء الطبيعة. لا أقلّ ولا أكثر.

س: ما رأيك في من يتحدث عن "النص الجديد" بوصفه ثورة ثالثة في الشعر العربي، وذلك انطلاقًا من تغيّر حامل الكتابة الإلكتروني- الرقمي؟

- لست مقتنعًا بهذا الزعم. في كلّ عصر يمكن لنا أن نتحدّث عن نصّ جديد يستوعب روح العصر. حدث هذا مرارًا في العصر العباسي، وفي الأندلس، وخلال القرن العشرين بأكمله. الأصوب أن نتحدّث عن حساسية جديدة في الشعر تنسجم مع ما يعرف العصر، وتتأثّر بروحه وأصدائه في دورة حضارية جديدة. كلُّ أنواع الشعر تستوي في هذا الحامل كما تتساوى في استخدامها للوسائط الجديدة التي لن تضيف شيئًا إلى الجوهري في الشعر وحقيقته وينابيع حلمه الضاجّة بالحياة. ليس كلّ نص إلكتروني أو رقمي نصًّا جديدًا، وإلا ذكرنا ذلك بكاريكاتور نظرية داروين الذي أعطته للإنسان وقد تحوّل إلى مسخ برأس كبير وأطراف قصيرة تتدلّى منه.

*جريدة (العرب)، 19 فبراير/ شباط 2013. و(المساء) المغربية، مارس/ آذار 2013

تحميل الديوان

ذاكرة ليوم آخرذاكرة ليوم آخر

 

التعديل الأخير تم: 01/04/2021