ترياق

Teryak

                الشاعر المغربي عبداللطيف الوراري يصدر “ترياق” من بيروت

حكيم عنكر

صدر في بيروت عن مؤسسة “شرق غرب” وضمن سلسلة ديوان المسار مجموعة شعرية للشاعر المغربي عبداللطيف الوراري، وتتألف المجموعة الموسومة ب “ترياق” من 16 قصيدة على مدار96 صفحة.

وهي كالتالي: يا أهل بغداد السّلام/ المجاز كما من دالية/ لم أطمع بِشيء/ لِلصدفة دخانٌ في يد الآشوري/ الشّعراء المغاربة/ No Pasaran/ ريح طنجة/ نزهة/ أطياف/ عواء/ هؤلاء المرضى/ وعداً بكِ.. أيّتها المريضة/ ترياق/ متاع المشمولة بالجراح، متاعاً نثرْناك، أُم المباذِل/ الأسطقسات.

عن مجموعة “ترياق” يكتب الشاعر والناقد البحريني علوي الهاشمي: “تتميّز هذه المجموعة بقدرة واضحة على التصوير الشعري وإدارته في إطار من الحوار الخارجي الذي يستبطن الحالات الشعرية المختلفة، والتعبير عنها في بناء نصّي متماسك ترفده موسيقى هامسة من الإيقاع الذي يتخلّل بنية قصيدة النثر، ويقوم بضبط تشظّياتها والجمع بين أعناق صورها المتنافرة ومفارقاتها الواسعة. هذا عدا ما تقوم به موسيقى التفعيلة في النصوص التي تتأسّس عليها من دور جمالي خاص”.

وأمّا الشاعر اللبناني شوقي بزيع فيكتب “يمتاز شاعر هذه المجموعة بغنى الموهبة وتدفق العبارة وثراء الصورة، كما يُظهر معرفة واسعة بالتراث العربي الشعري وأسرار القصيدة العربية، وبخاصة على مستوى الإيقاع وتنوع التراكيب مع محاولة جادّة للتوأمة بين العناصر الموروثة وبين العناصر المستجدّة والمتصلة بقيم الحداثة وتعبيراتها”.

وكانت “ترياق” قد حظيت بالجائزة الأولى من جوائز ديوان الشعرية لعام 2009 في “دورة محمود درويش”، التي تمنحها “مؤسسة شرق-غرب البرلينية”، وكانت لجنة التحكيم قد رأت في(“ترياق” مجموعةٌ ذكية، داخلت بين قصائد النثر والتفعيلة، وقصائد اللمحة، وتركت الذات تخاطبُ المطلق من خلال مخاطبة وجوهٍ وحالات، وعوالم عديدة).

“ترياق” هي المجموعة الثالثة للشاعر الوراري بعد مجموعتي “لماذا أشْهَدْتِ عَلي وعْدَ السحاب؟” ،2005 و”ما يُشْبه ناياً على آثارها” 2007.

عن جريدة "الخليج" الإماراتية 17/10/2009

                    

               ترياق.. أو "نهاية الممشى":

تعبّر الذات المفردة عن رغتبها في صياغة كنه القصيدة الشبيهة بالضوء 

عبدالحق ميفراني

    « ترياق»، هو الديوان الذي توّجته مؤسسة شرق ـ غرب في سابقة ديوان الشعرية (دورة محمود درويش) للعام 2009م. وهي الدورة التي خصصت جوائزها لشعراء من العراق والمغرب، على أن تنفتح مستقبلاً على بلدان عربية أخرى «لفتح فضاء أوسع للشعرية العربية». وتتويج ديوان « ترياق» للشاعر المغربي عبداللطيف الوراري (1972- ) يُمثّل خطوة مضافة للاحتفاء بهذه التجربة الشابة التي تُؤسّس مساراً مزدوجاً في الكتابة الإبداعية والنقدية (إذ سبق أن توّجته جائزة الشارقة للإبداع العربي بالجائزة الأولى في النقد الأدبي للعام نفسه)، ممّا يجعله أبرز وجه إبداعي مغربي شاب حظي باحتفاء عربي لسنة 2009م، ولاندري كيف سقط اسمه من بيروت 39، وهو ما يثير الغرابة حقا!

الشاعر عبداللطيف الوراري نموذج لصوت المغرب العميق الذي يسكننا جميعا، أو بعضنا على الأقل، ممن لم تستهويهم ركوب «سلالم العبور السهلة» والإتاوات الثقافية ومباركة عرابي القناطر، إذ ترك لكتاباته أحقية التعبير عن أسئلته ومن عمقها وخصوصياتها. والأكيد أن الشهادات التي خطّت على الغلاف الأخير للديوان تعبر عن هذا المنحى: علي جعفرالعلاق، علوي الهاشمي، شوقي بزيغ، عبد الرضا علي. كثير من قصائد ترياق مهداة إلى شعراء رحلوا عنا في السنوات الأخيرة: (محمود درويش، محمد بنعمارة، سركون بولص، جمال الدين بن الشيخ)، إلى جانب حضور لافت لأسماء لازالت تواصل حضورها الشعري المجازي، بمن فيهم محمد بنطلحة؛ عدا ريان ابن الشاعر. وهكذا تتحوّل القصائد من حوارية شرق غرب إلى المغرب والمشرق، بإصرار القصائد نفسها على لعبة الحضور والغياب، مقدمة سلسلة من ثنائيات أصر ديوان « ترياق» على أن يجعلها ديدن رؤيته الشعرية: الحضور ـ الغياب، المغرب ـ الشرق، قصيدة النثر ـ التفعيلة، بغداد ـ طنجة، التراث ـ الحداثة، إلخ. وبين هذا الذهاب والإياب تعبر الذات المفردة بقلقها في ثنايا الديوان عن سياقين يكتملان في قدرتهما على صياغة كنه القصيدةالشبيهة بالضوء، التي يأمل شاعر « ترياق» أن يجعلها ممشاه إلى الأبدية:

«أحمل باباًعلى كتفي وأطوف

أسرّ إلى كل ورقاء تعبرني

 شاهداً

ومن الوقت أسحب ريحاً

على اللغة الوعد..» (ص67).

وهو الممشى الذي يزاوج فيه الديوان بين تنوُّع الصياغات المختارة في القصائد من تراكيب ذات نفس طويل وأخرى تميل إلى الشذري، وبين قيم دلالية تمتح من حقلين مختلفين هما التراث العربي وحاضر القصيدة. ومن ثمّ، أمكن لهذا الممشى أن يتحول لاختبار منهجي يهم أسئلة الكتابة الشعرية. لكن، القصيدة تعترف بأنّه ممشى شبيه بالريح لا حدود له وتعيش في المنتهى. لذلك تصر القصائد على حضور «الريح» بشكل لافت، كاختيار معجمي أمام المشمولة بالجراح/ القصيدة:

«أيتهاالمشمولة بالجراح،

ق

ص

ي

د

ت

ي» (ص77)

   فهي القصيدة الوحيدة في الديوان، التي تحدد في إطار حوار داخلي بين صوت الشاعر وقصيدته جزءاً من أسرار رؤية «ترياق» وبناها الدلالية والمعرفية، إذ أمكننا الاقتراب أكثر من «متاع» و«أدوات القصيدة». قصيدة عبداللطيف الوراري رديف للجرح والألم وسط «ضجيج اللغة»، حيث الشاعر يبني نصّه «بتواضع» لأن «السقف سحيق» (ص72)؛ وهو اعتراف للدلالة على أن الشعر ظلّ دوما مرتبطاً بمراس ودربة، بعيداً عن الاستسهال والاستنساخ. في زخم هذه الريح ـ المنتهى أمكن للقصيدة أن تمارس فعل التحقُّق:

« إذا لم يقل لك قلبك الجريح

إذا خلدت الى وسادة الرياح

إنّك شاعر

فمن سيخبرك إذن؟»  (ص75)

يظل السؤال معلّقاً بين ثنايا قصائد الديوان، إذ هي السبيل الوحيد كي تصل قصيدة الديوان إلى أفقها الذي تنشده، وحينها لا يمكننا أن نضع شعرية تجربة ديوان «ترياق» للشاعر عبداللطيف الوراري في سياق ما تبلوره من أسئلة ورؤى يجعلها أبعد ما تكون عن تحقيق فعل الحضور والتحقق، وإنما هي تجربة خصبة تبني تماسكها في اختياراتها النصية والبنائية وفي إذكائها.


                                                                                           شاعر مغربي يعالج أدواء الجسد والروح بالكلمة

في ديوان "تريــاق" للشاعر عبد اللطيف الوراري

عبد العالي النميلي

بعناد أكثر ورضى أقل، يواصل الشاعر المغربي عبداللطيف الوراري في ديوانه الجديد "ترياق"، الصادر هذا العام عن ديوان المسار ببيروت، حرثه الكاسح لتضاريس اللغة، واضعاً في المنسي والغريب والمهمل واليتيم من مفردات التجربة وتراكيبها عصارة تأملاته وانفعالاته الصادرة عن ذات تعكس في توالي مراياها تصدُّع زمنها، وتشظّي ممكنات هويتها الطافحة بالجرح والتأسي. وربّما لهذا السبب، يعني الشاعر بـ "ترياق" رغبته الملحة والمأمولة في أن يعالج جسده الذي تنغل فيه السموم المزمنة على امتداد التاريخ الفردي والجماعي، وإن بالكلمة التي تشفّ وتُشير. فما أوجع السموم في دمنا وما أعز الترياق!

يستهلّ الشاعر "ترياق" ـه، المؤلَّف من ست عشرة قصيدة تنتظم في ست وتسعين صفحة، بنص "يا أهل بغداد السّلام"، الذي يحمل هذا النداء الحار لأهل بغداد محمَّلاً بما هم في أمس الحاجة إليه: السلام! أفليس من أفظع المفارقات أن تكون مدينة السلام مرتعاً لعربدة الحرب وجنون القتل؟

ومن خلال عبورات النص نكتشف أننا بصدد نص ذي نفس ملحمي تعبر فيه روح الشاعر بأحوالها المثخنة وأسئلتها الفاجعة في الزمن العربي المهين:

ما للسحاب تمرُّ بي عطشى

ولم تذرف دموعي أو تبح بدمي إلي

إلى جانب الإحساس بالإنحسار والعجز أمام وضع يندّ عن الإدراك مما يجعل الذات عرضة للوحدة والنسيان فالتمزق والضياع:

أقعيتُ خلف الباب أنظر

أين قلبي الآن؟ ماذا صار بي؟

يصعد بنا الشاعر أدراج التاريخ ليذكرنا بمأساة أهل سبأ الذين أصبحوا مضرب المثل في التفرق لما مزقهم الله كل ممزق، بعد أن أذهب جنتهم وتبددوا في الأرض: )تفرقت أيدي سبأ). وهل هناك أروع من هذا التعبير المفعم بالمرارة لتجسيد ليل بغداد بكل رمزيته الموحية بكل رعب وخوف وضياع:

ما بي لا أرى حتى عماي يرد عني الليل؟

ويلاحظ أن التركيب يهيمن عليه ضميرالمتكلم المفرد في مختلف مقاطع القصيدة، وهو ما يبرز دلالة هذا التوظيف لعكس وحدة الذات وعزلتها الفادحة في مواجهة سعار القتل والتدمير. الذات وحيدة ممزقة ذاهلة عن العالم كما هي حالها يوم القيامة، تحاول أن تجد للأشياء معنى في بغداد التي تساوت أيامها في اللا ـ دلالة على ما يشفي الغليل. ذات متعبة بالاسئلة والشهادة والمعاينة المرّة. وأمام هذه الفظاعات يصبح الشك سيد الأشياء، وتتلاشى ثقة الإنسان في كل المعارف، فلا يجد غير الطفولة قادرة على جعله يفهم من؟ ولماذا؟ و كيف؟:

ها رحلة أخرى إلى المعنى

على باب القيامة

(...)

أرى الأضداد في متناولي تتجشأ الدنيا

وتقذفُني تباعا

فلا أحتاجُ غير طفولة أخرى لفقْه الحرب قسراً

ثمّ سرعان ما يحشرنا النص في تناصّ درامي رائع مع قصة يوسف القرآنية. فإذا كانت نصيحة يعقوب لابنه يوسف عليهما السلام: {يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا}، فإن رجاء الشاعر من بغداد هو ألا تقصّ رؤياها كيفما اتفق:

تنغل في سحابي الحشرجات، ويستريح على دمي

الطير العضال،

وغير رؤيا لي يبدّدها تساومني

عليها القسمة الضيزى بداية كل عام!

وفي المقطع الأخير من ملحمة بغداد، يخاطب الشاعرالمدينة الشامخة بجرحها المزمن بنبرة ودّ موغلة في اليقين، راجياً منها أن تقبل اسمها الجريح على عواهنه كـ "مدينة السلام"!، وألا تفرط في إرثها مهما تغيرت شهية الريح.

من بغداد يعبر الشاعر إلى فلسطين على "المجاز كما من دالية"، على جناح التحية المفعمة بالفقد إلى روح الشاعر الغائب/الحاضر الذي احتكرت فلسطين شعره ودمه: محمود درويش. في قصيدة طويلة، لكنها خاطفة وداكنة بكثافتها التصويرية حيث تتواطؤ الإستعارة مع الرمز لترسم ملامح بطولة شاعر مقاوم لم يزده الموت إلا حياة:

مرت بي، من هنا، امرأة بساق من غبار

قال: يحيا الميت. قالت: ليت هذا الحيّ ميْتٌ كي

أدلَّ دمي عليه.

وعلى قائمة الرموز نجد: الناي والريح والليل والغمام بما لها، مفردة ومجتمعة، من طاقات تحويلية وإيحائية لأجل رسم خارطة عاطفة الشاعر اتجاه فلسطين الأرض والإنسان والشاعر.

من وجع بغداد إلى جرح فلسطين، يرقى الشاعر إلى نفسه بمناجاة مثقلة باللوعة والمرارة، معدّداً على أوتار المجاز أشكال الهدر في حق هذه الأمة العظيمة، ومظاهر أساها في قصيدة يرجّك رجّاً عنوانها الذي لم يذّخر الشاعر جهداً في شحنه شكلاً ومضموناً: متاعا نثرناك، أم المباذل. فإذا كانت المعاني مطروحة في الطريق على رأي الجاحظ، فإن هذا التركيب الساحر لم يخلق إلا لأجل هذا المدلول العظيم، حيث تضافرت في مهرجان تعبيري رائع عناصر فنية متعددة تتقاطع عبرها صور الإستعارة والكناية وأساليب القصر والنداء والنفي والتكرار والمفارقة الساخرة، لتشفَّ عما بضمير هذه الذات من حسرة وإحساس بالذنب اتّجاه تاريخها أمّ العطاءات كلها. يقول الشاعر:

رغْم ما يَحْدث منْ ساعات

على خطِّ الزّلازل

والنّيران في الأطْراف

مازِلْت في الْعَتَبة

خَفيفاً مِثْل نَرْد

تَجْمَع الْفُسْتان الطّويل من الأرْض،

تخْشى عَلى الزُّؤان في يَد الْعَازف لايُشْبع نَهَم النّمْل،

تَمْسَحُ عنْ غُرّة الْغَدِ الدُّخان ،

ولا تُصدِّقُ الْعَزاءات.

في الشاعر أصلاً شيء من النبوة، وليس من باب الصدفة أن عرب الجاهلية الأعرف بخدع البيان رموا النبي محمد (ص) بالشعر. فها هو الشاعر عبداللطيف الوراري في القصيدة المبرقة "ترياق" التي أعارت الديوان عنوانها، يحمل بابًا على كتفه ويطوف ويلقم الشمس حطباً، كأنّه يشير إلينا في لغة تشفّ عن نبوءة صاعقة لها سيماء التوق والوعد والحكمة:

من الليل

أحملُ باباً على كتفي و أطوف

أْسرّ إلى كل ورقاء تعبر بي

شاهداً

ومن الوقت أسحبُ ريحاً

على اللغة الوعد

والشمس ألقمها

حطبا لا يملُّ

من الليل

إن جاعت البئر

أوحت لنا الطير بالغيم

تحت الأصابع.

وفي صرخة توسل، تصيح الذات منهكة بالرسالة ومشفقة على الأمانة:

من من الباب يدخل

يا عابرين

ويحمل عني إذا طاف

ضوئي الكفيف؟

ومثلما في هذه القصيدة، ينشغل الشاعر في أغلب نصوص الديوان بأدواء الجسد والروح، لا لأجل أن يعالجها، بل لأجل أن يقترب منها ويتّخذها زاداً للمعرفة أو للحبّ أو للعبور. في قصيدة "متاع المشمولة بالجراح" التي تنتظم في مجموعة متواليات شذرية تفيض عن الألم مثلما عن الحب:

لماذا يصرُّ النهار

على أن يعاقبني في الطريق إليك،

ويحشد حولي ضجيج اللغة؟

لو الليل يكتم سرّي وعافيتي إن خرجتُ

وناديتُ في الريح ما أبلغه!

بنفس الاحتراق العشقي المشبوب بالبحث، تتوالى الشذرات في التفاتة ندية غاية في الصوفية شطر المشمولة بالحب، عبر صور شعرية مشهدية لم تتخلف فيها الإستعارة عن الموعد كدأبها مع الشاعر ليصنعا للقارئ هذه الموجة المدهشة من المتعة الجمالية التي أترك له حرية تلقّيها، بل خطر مواجهتها:

هو ذا الوعد:

تلتحفين مجازك، والطير حولك خضراء، والشهد

في شفتيك

سنشتاقُ نحن اليتامى،

ونحلم هذا المساء

لعلّ دم الناي يقنع بالريح بين يديك.

في ختام هذه القراءة المتواضعة في مجموعة "ترياق" للشاعر المغربي عبداللطيف الوراري، والتي ركزت فيها على القصائد التي أسعفتني في بناء تصور منسجم إلى حد ما، لا يسعني إلا أن أنبه إلى أن باقي قصائد الديوان لا تقل روعة ولا سحراً. وسواء أكانت قصائد تفعيلة أو قصائد نثر، فإن الشاعر في الحالتين يكشف عن خبرة واسعة بأسرار العربية إيقاعاً وتركيباً وبلاغة توجهها رؤية ذات عمق فلسفي يغني أبعاد المغامرة الشعرية لديه، وهذا ما جعل الناقد والشاعر البحريني د. علوي الهاشمي يقول عن المجموعة إنّها "تتميز بقدرة واضحة على التصويرالشعري واِدارتة في أطار من الحوار الخارجي الذي يستبطن الحالات الشعرية المختلفة، والتعبير عنها في بناء نصي متماسك ترفده موسيقى هامسة من الإيقاع الذي يتخلل بنية قصيدة النثر، ويقوم بضبط تشظياتها والجمع بين أعناق صورها المتنافرة ومفارقاتها الواسعة، هذا عدا ما تقوم به موسيقى التفعيلة في النصوص التي تتأسس عليها من دور جمالي خاص".

                   تـــــريــــــــاق الــــوراري.. و"لا" النافية

عبد الكريم يحيى الزيباري


ذكر ابن رشيق القيرواني في كتابه "العمدة في محاسن الشعر وآدابه" الكثير من التراكيب الأسلوبية، كما في باب الترديد (وهو أن يأتي الشاعر بلفظة متعلقة بمعنى، ثم يردها بعينها متعلقة بمعنى آخر في البيت نفسه، أو في قسيم منه، وذلك نحو قول زهير: "مَنْ يَلْقَ يَوْماً على عِلاّتِهِ هرماً/ يلق السماحة منه والندى خلقاً". فَعَلَّقَ يلق بهرم، ثم علقها بالسماحة.... وسمع أبو الطيب باستحسان هذا النوع فجعله نصب عينيه حتى مقته وزهد فيه، ولو لم يكن إلا بقوله: "فقلقلت بالهم الذي قلقل الحشا/ قلاقل عيشٍ كلهن قلاقلُ".
حين أراد سوسير أنْ يُفرِّق بين اللغة والكلام، قال اللغة نظام من الرموز اصطلحت عليه جماعة من الناس، والكلام هو الاستخدام الخاص لهذه اللغة، وبهذا يكون لكلِّ كلام أسلوب خاص به، ولكن الكتابة أكثر انتقائية للكلمات، وذهبَ باموك في "اسمي أحمر" إلى تعريف الأسلوب بأنَّهُ الخطأ المقصود، وبحسب ريفاتير"نوع من الكثافة التي يمكن أنْ تُقاس عند كل نقطة من القول في المحور التركيبي طِبقاً للمحور الاستبدالي، حيث تُعدًُّ الكلمة الماثلة في النص أقوى من نظيراتها أو مترادفاتها الممكنة، دون أن يؤدي هذا إلى خلل في المعنى.. فاللغة تعبِّر، والأسلوب يُبرِز" (محمد عزَّام- الأسلوبية- وزارة الثقافة السورية، ص14).
وذكر ابن رشيق القيرواني في كتابه "العمدة في محاسن الشعر وآدابه" الكثير من التراكيب الأسلوبية، كما في باب الترديد (وهو أن يأتي الشاعر بلفظة متعلقة بمعنى، ثم يردها بعينها متعلقة بمعنى آخر في البيت نفسه، أو في قسيم منه، وذلك نحو قول زهير: "مَنْ يَلْقَ يَوْماً على عِلاّتِهِ هرماً/ يلق السماحة منه والندى خلقاً". فَعَلَّقَ يلق بهرم، ثم علقها بالسماحة.... وسمع أبو الطيب باستحسان هذا النوع فجعله نصب عينيه حتى مقته وزهد فيه، ولو لم يكن إلا بقوله "فقلقلت بالهم الذي قلقل الحشا/ قلاقل عيشٍ كلهن قلاقلُ").
ديوان " ترياق" للشاعر المغربي عبد اللطيف الوراري والفائز بالجائزة الأولى في مسابقة ديوان الشعرية التي أطلقتها دار المسار شرق/ غرب في برلين دورة محمود درويش للعام 2009. رغمَ أنَّ قصائده لم تخرج من نسق ضمير المتكلِّم، وظلَّت أسيرة في إطار صورة واحدة لكلِّ قصيدة.يقول الشاعر عبد اللطيف الوراري في قصيدة " يا أهْل بغْداد السّلام" (إِحْمِلْ إليَّ شتاءَ قلْبك كيْ أَرَى الرِّيحَ البَعِيدة/ وَهْيَ تعْبُرُني/ وتعْبرُ بي/ فلا الأفْكارُ/ لا الكلِماتُ/ لا الأشْياءُ/ أَمْجدَ منْ تُرابٍ/ كانِساً كذِبَ الرّمادْ!) ص3.

بدأ بجملة طلبية، وبرَّر طلبه باستخدام كي: حرف جر أصلي، يفيد التعليل، ورأيُ الكوفيين: لا تكون إلا حرف نصب. ويرى البصريون بجواز أنْ تكون حرف جر، وإذا تسلَّلَ التعليل إلى جملةٍ شعرية، انقلبت إلى جملةٍ إنشائيّةٍ خبريِّةٍ، والشِّعر سؤال بلا جواب، فإذا سأل القارئ: كيف يرى الريح البعيدة؟ لماذا يحمل شتاء قلبهِ؟ سيجدُ الجوابُ مباشرةً في النص. وتكرار لا النافية ثلاث مرَّات، منحَ النص إيقاعاً ثلاثياً يتقارب مع تكرارها الثلاثي أو الثنائي من الشريف الرضي إلى قباني، يقول الشريف الرضي(وَلَيْسَ لهَا في الدّارِ دِينُ شَرِيعَةٍ/ وَلا في ثَنَايَا الطّالِعِينَ طُلُوعُ/ ولا للغوادي مذ فقدت مزايد/ ولا للمعالي مذ عدمت قريع). قال النابغة الذبياني يصف الحرب(تبدو كواكبه والشمس طالعةٌ/ لا النور نور ولا الإظلام إظلامُ) يريد شدة الهول والكرب، بقوله: " تبدو كواكبه والشمس طالعة "، كما تقول العامة: أريته النجوم وقت الضحى. ومن أسلوب النابغة (لا النور نورٌ). يقول أبو تمَّام الطائي( لا أنتِ أنتِ ولا الديارُ ديارُ / خفَّ الهوى وتولَّتِ الأوطارُ/ إذْ صدوفُ ولا كنودُ اسماهما/ كالمعنيين ولا نوارُ نوارُ). وتعليقاً على صدر البيت الأول لأبي تمَّام، ذَكَر محمود درويش في تقديم ديوانه "لا تعتذر عما فعلت" قول الشاعر فدريكو جارسيا لوركا (والآن لا أنا أنا/ ولا البيت بيتي)، ويقول الشريف الرضي (وأين الحمى لا الدار بالدارِ بَعْدَهُمْ/ ولا مربع بعد الحنين مربعُ).  قاسم حدَّاد في قصيدة "الوردة الرصاصية"(سيد في الموت/ لا دمك الذي يغري بأنخاب دم عبد/ ولا العربية الفصحى ستبتكر البلاغة عندما ترثيك). وتحت عنوان "لعلّ شاهِداً يعْمى" يقول(أقعيْتُ خلْف الْبَاب أنْظرُ/ أيْنَ قلْبي الآنَ؟ ماذا صَار بي؟/ رَانتْ عليَّ ذُؤابتي كم لعنةً وتفرَّقت أيْدي سبأْ/ لا سور يجمَعُني عليّ، ولا غمام يكون لي نوَّارةً في/ أوّلِ الأحْزانِ، لا نايٌ شَجيٌّ يمّحيني كلَّ نجْمٍ/ عنْد قارِعَة العَماءِ/ ومن عثاري الماءُ يَشْرُق بي كأنِّي منْ حَمَأْ/ كمْ منْ يدٍ تُلوِّح لي بعيداً منْ صَبا السَّعفاتِ وطلْحِها/ كمْ قصّةٍ أوْدى بها إيمانُها بالحُبِّ تعْلقُ بي/ ونجْمٍ زلَّ عنْ درجِ النّهار/ وكمْ طريقٍ لمْ تكنْ إلا رُسوماً منْ صدىً أوْ منْ صَدأْ/ كمْ مِنْ يديَّ الكوْنُ يطْلعُ/ هارِباً منْ عصْرهِ الدّهْريّ/ ثُمّ يقولُ لي: هذا الّذي أنْسيْتِنيهِ صارَ أضْيقَ من جمادٍ/ وَالَّذي أنْسَيْتُك اخْضَرّتْ على يدِهِ الْجَمادْ). يتعانق الإيقاع مع أدوات الاستفهام (أيْنَ قلْبي الآنَ؟ ماذا صَار بي؟)، ثمَّ ينحازُ إلى لا النافية، ثمَّ يمتطي الإيقاع أداة الاستفهام "كم". وتحت عنوان " نحن في سائر الأيام لا نعرف شيئاً" يقول الوراري: (وَلا أَحدٌ يَقولُ لي الحَقيقَةَ)، ويقول قباني في قصيدة بلقيس (ولا أَحَدٌ .. يُجِيبُ على السؤالْ). ويقول الوراري في قصيدة "الشّعراء المغاربة: إلى محمد بنطلحة" (ثُمّ هُناكَ حيْثُ لا ندمٌ يأْتي أقلَّ/ وَلا يسْقي أَظالِعَهُم غَيْمٌ هُنالِك).

جريدة المدى العراقية بتاريخ الأربعاء 21-04- 2010

 

التعديل الأخير تم: 01/04/2021