شذرات فيسبوكية

 


نكايةً بالأزرق

(شذرات فيسبوكية)

 

 

 

وإنْ تَعُدّوا حَيْرة الشِّعر لا تُحْصوها.

**

تُرى، متى ستنتهي الطُّرق التي تُحرّف الإنسان عن مصبّ القلب، وتشرب من أعمدة الدخان؟

**

أحيانًا كثيرة، يبدو من يُنقّح نسخة العمل قبل طبعه، كمن يُلْقي نظرة الوداع الأخيرة على ميّت عزيز.

**

قد تنقطع الأمطار سنين عددًا وتكفر الغيوم بوعد الأزهار، لكن النّهْر لن ينسى مجراه.

**

يَوْمًا، سيصير ما يؤلمنا شعرًا، فَلْتشِفَّ الكلماتُ - إذن.

**

وجدتُ أنّ للكتابة ثلاثة أضرب:

كتابة بالريشة،

وكتابة بالسكّين

ثم الكتابة بالنُّور!

**

لو أنّ الشعر، في نهاية الرحلة، يحقق وعده بالأنوثة، بعد أن استفحلت الذكورية في عالمنا.

**

عند الترجمة يُعزّ الشاعر أو يهان.

**

ألدُّ أعداء الشاعر هي المؤسسة؛ فهو يبدأ يائسًا رفيعًا، ثُمّ ينتهي بهلوانًا بلا قصص.

**

ليس الأهمّ ما تقوله، بل كيف تقوله؛ هذا هو درس الشعر العظيم في جميع الثقافات والعصور.

**

كلما فرغتُ من ديوان جديد، قلت: هذا هو عملي الأوّل؛ لهذا فعلاقتي بما كتبته سابقًا ليست على ما يرام.

**

دائمًا ما نُواجَه، بحسن نيّة أو سوئها، بهذا السؤال: ماذا بِوُسْع الشعراء أن يُغيّروا؟
في اعتقادي أنّه لَمّا نحن نطالب بالتغيير، فإنّنا لا نقصد به التغيير المادي سياسيًّا واجتماعيًّا بالضرورة، لأنّ قدراتنا محدودة ومدى كلماتنا ممتدّ في الزمن، بل نقصد التغيير الذي يمسُّ إحساسنا وتفكيرنا ورؤيتنا إلى الأشياء. ومثل هذا التغيير ملحٌّ ومتنوّع في آن.
وإذن، لا ينبغي أن نقصر وظيفة الشعر في ما هو فنّي وجمالي صرف فحسب، وإنّما علينا أيضًا أن نجدّد في بعدها السياسي بمعناه الواسع الذي لا يبتذله ما هو إيديولوجي وواقعي وتعبوي مباشر وضيّق.

بهذا المعنى، يصير للشعر معنى في حياتنا، وضرورة لإنسانيّتنا المعذّبة اليوم.

**

لا نريده فُقْدانًا مُضاعفًا؛ رحلوا بقدر غالب، ولكن لِمَ ترحل معهم أوراقهم الشخصية!
لهذا، من الضروري أن تتكفّل مؤسسات ثقافية ذات الصلة بإعادة طبع أعمال الأدباء التي كان لها فضْلٌ في التجديد، ولم يعد لها وجود بين ظهرانينا إلا من بقيّة رنين، فيما تمتلئ الأماكن الشاغرة بغيرها من مطبوعات السوق والموضة والصحف الصفراء.

**

أساتذتي الذين يصل نسبهم الغامض إلى المُعلّمة حليمة في القسم التحضيري، وكانت تعاني مسًّا فظلّت بلا زواج، أتذكرهم واحدًا واحدًا كأنهم بين عينيّ أرخبيل وجوه يقظانة. عاشوا على الكفاف، ثم ماتوا منسيّين وفي حلوقهم غصص أُمّة.

**

أشهر أربعة شعراء في العالم العربي على الإطلاق، هم ثلاثة: علي أحمد سعيد وأدونيس.

**

ما من شاعرٍ أساسيٍّ داخل ثقافته إلّا قرأ التراث بحقّ، وأضاف إليه عبر تجاوزه وخلقه.

 
 

**

الشعر ليس شيئًا، إذا لم يلتقط الصرخة التي أطلقها أحدهم - أيًّا كان- في عنان السماء.

 

**

الإنسان يولد شاعرًا على الفطرة. وتتوطد العلاقة بينهما في رحم الطبيعة وأسرارها اللا تنتهي. على الحوافّ، عندما يبدأ كتابة ما يُسمّى شعرًا، يصير آخر، لأنّ هُويّته لم تعد في ملكه. 

**

أخذ بعض "الكُتّاب الفسابكة" يُدلون بآراء قاطعة عن الشعر وفيه، مع أنّي لا أعرفُ لهم ديوان شعر كما تليق العبارة، ولا كتاباً في الشعر. وقد تجرُّ آراؤهم ملتقطةً هنا وهناك، فتزداد الآراء سُخْفاً وفجاجةً، وهو ما يضع الشعر في زحمة "البضائع الكاسدة" لدى كثيرٍ من الناس.
في المقابل، هناك أشخاص رائعون رزقهم الله رداء العافية لا يشرق صباح إلّا وقد حملَتْنا كلماتهم إلى مدارج الحلم الذي تترقّى به إنسانيّتنا.

**

الأسماء المستعارة لا مكان لها في صفحتي بأيّ حال؛ فالأصل في التواصل هو الوجه لا القفا!

**

سرديّات نجيب محفوظ هي الأقوى في الأدب العربي الحديث، فقد قُرئت على نطاق واسع وأثّرت في أجيال بأسرها؛ من هنا ديمومتها وفاعليّة خطابها عبر ما كانت تنتصر له وتُقيمه من عوالم ممكنة تترجّح بين نقد الواقع وشسوع الرؤية للعالم.
أوّل رواية قرأت له هي "زقاق المدق" أيّام مراهقتي. قرأتها بتقسيط شديد كأنّي كنت أتناول دواءً حلو المذاق لا أريد أن ينفد بسرعة. في أحايين كثيرة، إلى اليوم، يتهيّأ لي أن حميدة ستأتي يومًا ما لتخلّص العالم من حرمانه وجوعه الجنسي.

**

معظم كتّابنا بالفرنسية تأثروا بهذه اللغة عن طريق أساتذة فرنسيّين حبّبوا إليهم الشعر، والأدب عمومًا، وحفزوهم على الكتابة بها دون شعور بالنقص. جعلوا من هذه اللغة (غنيمة حرب) بتعبير كاتب ياسين، وفسحة مواتية لحرية التعبير الذي كانت تتقبّله. سرد عبد الفتاح كيليطو وعبد المجيد بنجلون وغيرهما مثل هذه القصص.
في المقابل، تأثّرنا بجمال العربية وسحرها من خارج الفصل الدراسي عبر ما كان يسقط في أيدينا من كتب جبران والشابي والمنفلوطي وغيرهم، بعد أن واجهنا - في الغالب- أساتذة في جبة فقهاء لا يبالون بشيء اسمه الإبداع، وبعضهم الآخر كان لا يجتهد في إبداع الدرس بل تجده لاهثًا وراء المقرر المكتظّ لإنهائه قبل فترة الامتحانات، ومنهم من يشعر بالإهانة إذا تقدّمت إليه بمحاولة في الشعر وغيره.
لهذا، تجد أغلبنا ممن يكتب بالعربية يحمل في قرارة نفسه شكلًا من ضريبة (تضخُّم الأنا)، وضربًا من (اللاشعور السياسي) المحبط الذي غذّته الأحداث الكارثية لاحقًا.

**

هل من العدل الادّعاء بأن هذا الشكل في الكتابة أو ذاك هو الأخير والنهائي كما درجنا على سماعه في الآونة الأخيرة؟
لا يملك أحدٌ منا الحقّ في امتلاك جواب قطعي وتعميمي؛ فالكتابة الشعرية بطبيعتها متعددة الرافد والشكل والأسلوب، وإن كان هذا لا يتنافي مع حقيقة أنّه في كل طور من أطوار تاريخ الشعر العربي يهيمن نوع شعري ما ويزيحه إلى الهامش، لكنه لا ينفيه ويحل محلَّه، ورُبّما درسنا مثل هذه المشكلات الشعرية ضمن ما صار يصطلح عليه في حقل الدراسات المعاصرة بـ(أنواعيّة الشعر).

**

عبد الوهاب البياتي شاعر ومثقف كبير، عاش عصره بكلّ أصواته وزلازله. عدا مجاميعه الرؤياوية، عُرف البياتي بكتابه "تجربتي الشعرية"، إلّا أنني وجدْتُ أن سيرته الشعرية المعنونة بـ"ينابيع الشمس" أهمّ وأنصع، وربما كانت طبعة منقحة ومزيدة لكتابه الأول.
أشير على أصدقائي من الشعراء والباحثين والطلبة بأن يقرؤوا هذه السيرة الشعرية الذاتية حتى يزول عنهم سوء الفهم العظيم الذي تأذّى منه البياتي وشعره، وحتى يعرفوا أن الشاعر الحقّ من عاش الشِّعر كتجربة ورحلة ومعاناة، وليس الذي يظلُّ طوال النهار يكتب قصائد إلكترونية من أمام شاشة حاسوبه دون أن يبرح قفص منزله وقفصه الصدري، ويتحدث ملء شدقيه عن الثورة والمغامرة والتغيير. 
ثمّة بالفعل بوْنٌ شاسعٌ بين الشاعر والمُهرِّج كما البياتي نفسه:
"كان في عصر الخيانات
وفي أزمنة الحرف الغرابْ
شاعرًا من ورقٍ ينسلُّ 
من شقِّ كتاب
ليخون الشُّعراءْ
كاشفًا عن ذيله في زحمة السوق
ليركبْ
موجة الشعر ويغرق"
وبعد،
ما أحوج عصرنا الأقل أمانًا إلى شعراء مثل عبد الوهاب البياتي الذي كان ينشد الحرية ولم يتنازل عنها قيد أنملة.

**

الذين يستشهدون بمقاطع من شعر محمود درويش أو نثره، لي رجاءٌ عندهم؛ هو أن يحيلوا على المرجع، فقد بدا لي أن أكثر المستشهَد به لا علاقة له بهذا الشاعر ولا بأسلوبه. وربّما صنعوا الصنيع نفسه مع نزار قباني، وبدر شاكر السياب، وأنسي الحاج، ومحمد الماغوط وغيرهم.
هل نحن أمام ظاهرة الوضع بلبوس جديد، ووفق مقاصد إيديولوجية مغرضة بالنظر إلى قيمة هؤلاء ومركزيّتهم في نسيج ثقافتنا المعاصرة؟

**

ظهرت قبل نحو عامين حساسية شعرية متفرّدة ارتبطت بمشروع واعٍ ومُفارق أطلقت عليه “ميليشيا الثقـافة”، ولم يكن ذلك إلا ردًّا على عالم الخراب واللامعنى الذي كان يخيم على سماء العراق ويدبّ في أرضه. تألّفت الحساسية من شعراء رافضين وساخطين قلْبًا وقالَبًا، وقد لوّحوا بقصائدهم كلائحة اتِّهام عريضة.

أعتقد أن هذا النزوع (الميليشياوي) يجب أن يترسخ في الشعر ويتعداه إلى غيره؛ لأن حياتنا الثقافية آسنة، والقيم الفنية باتت تصفق ليل نهار للهزليّات من كل ضرب.

**

مأساة الشعر في أنّه يجعل كل شيء ممكنًا، والخيال حقيقيًّا، لكنّه غير قادر على فعل أيّ شيء. مع ذلك، يتصرّف الشعراء مثل آلهة، والشاعرات مثل دوقات العصر الفيكتوري.

**

مثل الكثير أتساءل بدوري: لماذا حتى اليوم لا يتفاعل الإعلام المرئي بجدّية مع حيوية الثقافة في بلادنا؟ وحتّامٙ يتم تعويم الثقافي بمعناه الدقيق في أشكال الفلكرة وضرب الكفّ؟

إنّ الأمر لا يعود إلى أنّه لا شعر ولا أدب ولا فكر عندنا، فهذا انطباعٌ سيّءٌ للغاية ومُضلّل، لأنّه قلّٙ أن عرفنا حركةً ثقافية مثل التي نشهدها راهنًا؛ فالأمر يعود - فيما أجزم- إلى أنّ قطاعنا الإعلامي، الرسمي تحديدًا، إقطاعي ومتعفّن ومصاب بفقر الدم نتيجة تحكُّم فاعليه من الحرس القديم واستبداديّتهم في تدبير الشأن، ونتيجة تسيُّد قيم رديئة كرّسوها منذ وقت ليس بالقصير حتى صارت أعرافاً مُجْمعاً عليها، وجاءوا ب(مثقّفين) ليعينوهم عليها.

بهذا المنطق، ليست الثقافة هي التي تُحجب اليوم فقط، بل المُخيِّلة المغربية التي انتبذت مكانًا قصيًّا.

**

في أحيان كثيرة، ينسى الكاتب أنّه جاء ليكتب، وليس شيئًا آخر يبهت هذا القدر الأنطولوجي.

**

متى كان الشُّعراء مُعافين من الأمراض؟
منذ أن يخرجوا إلى العالم ويعبروا أسراره ومضايقه، تتسلّل الأمراض تباعًا إلى قصائدهم، فيمرضون بالرؤيا وحساسية اللغة وروح العصر إلى حدٍّ يزيد من منسوب قلقهم ويفرض عليهم عزلة الجميع.
ولهذا، أجدني أضحك مع نفسي لما أسمع من الصحافة بأنّ هذا الشاعر أو ذاك يعاني متاعب صحية من تضخم القلب والتهاب السحايا والمريء والقصور الكلوي وضيق التنفّس، فإن هذه أعراض جانبية لمشكلاتٍ روحية وحضارية جسيمة.

**

بحسب رأي أوكتافيو باث، فإنّه يوجد في داخل كلّ شاعر مجموعةٌ من الشعراء.
ولنتصوّرْ أن المجموعة بدلًا من أن تتحاور بيننا، ترفع على بعضها "العصيّ والهراوات"؛ أفليس يتحوّل الشاعر - والحالة هاته - إلى حالة فوبيا مزمنة حينًا، وجنونٍ بالعظمة حينًا آخر، ويتحوّل ما يكتبه إلى نقّالةٍ وشراشف مُدماة وسيارة إسعاف؟

**

ظلّت الدساتير تظلم الشعراء بنسيانهم، فماذا يضيرها لو ألحقتهم بذوي الاحتياجات الخاصة؟

**

في القاهرة، وجدت عبد الصبور ما زال يقرأ "مأساة الحلاج"، وحوله الناس يضحكون!

**

كنت أنظر إلى نملة تدحرج حبة قمح، فأتاني هذا الخاطر:

ماذا بقي من صورة الشاعر في عصرنا؟

**

اليوم العالمي ليس احتفاء بشيء، بقدر ما هو تبرير الشعور بالذنب تُجاه ما بات يضيع منّا.

**

الذين يتصدرون واجهة الثقافة بعضهم ينتفع من خطاب (الشرعيّات)، والبعض الآخر (بلا وجه).

**

تجد اسمه ضمن قوائم المدعوين طوال العام، وفي اليوم السابع ينتقد المؤسسة ويلعن الوجود!

**

يا حقل العمى، يا شعر القرن الواحد والعشرين، ما العمل؛ إنّهم يسرقون الأوطان منّا؟

**

الفايسبوك هو نسخة ثانية ومنقّحة من البرج العاجي للمثقّفين عندنا؛ برج اللقالق.

**

الأمر أشبه بـ(حفلة التيس): مهرجانات الشعر المغربي بالجملة، ولا دراسة واحدة جادّة عنه

**

قبل خمسة أعوام، كان لي رأي إيجابي في الشعر المغربي وحركته. لكنّ رأيي قد تغيّر اليوم بالنظر إلى:

  • عودة التقليدانية
  • تراخي النثر
  • احتراق الوعد بالشّعر عند الأصوات الجديدة.

**

كثيرٌ من دور النشر ينبغي تجريمها، فإن ما يهمُّها هو الربح واستغلال تهافت "الشعراء!"

**

في غياب جهوية مواطنة وعادلة، سيأتي يوم ترفع فيه كلُّ قرية علمها وتطالب بالحكم الذاتي.

**

المؤامرة، الفتنة، الإرهاب؛ ثالوث الأبجدية المقدس الذي يردُّ به "الوطنيون" على غيرهم.

**

في أوقات الأزمات، ينشغل المثقفون عندنا بإصدار العرائض وجمع التوقيعات. بؤس الثقافة.

**

عبد الله الذي أضحكني؛ فقد قال لي: عندما أكبر وأصير محاميًا، سأزج بك في السجن، لأني لا أعرف أنّ لي شقيقًا من الشعر!

**

فاتني أن أميّز في الشعر بين حساسية حقيقية، وأخرى ناتجة عن ضيق التنفس والتهاب السحايا.

** 

حكّامنا قراقيش آخر الزمان: هذا أحرق أرضه، وذاك باعها، وذلك فخَّخها بالمتفجّرات!

**

في المغرب، لا أعرف أيّ دور "وطنيّ" تؤديه الطبقة الميسورة حدّ الفحش ثقافيّاً ومجتمعيّاً، سوى الاستمرار في السطو على "كعكة الوطن" بأيّ ثمن، فيما حكوماتنا "الشعبية" يكون همُّها الوحيد أن تُهيّئ لها مناخ "أعمال النهب". وفي المقابل، تقوم "الطبقة المتوسطة" ورديفتها "الفقيرة" بأدوار تاريخية، دراماتيكية في الغالب، في تثقيف المجتمع وترسيخ القيم الأصيلة والجديدة فيه على حدّ سواء. وقد قيل: لولا أبناء الفقراء لضاع العلم، وضاع الوطن.

**

   الشللية سادت المشهد الثقافي المغربي اليوم. شللية في الملتقيات؛ شللية في الإعلام؛ شللية في حفلات التوقيع والتكريم؛ شللية في معارض الكتاب؛ شللية في الفيسبوك نفسه. الشللية من الشلة، ومن الشلل، ومن "التشلال" كذلك. الثقافة المغربية التي فاخرنا بحضور فاعليها في الإبداع والعطاء والتجدد، بدت اليوم على"كفّ عفريت"، فقد طمّ واقعها بالزبد وجلس أدعياؤها من مُزيِّفي العملة ومتعهّدي حفلات الجنس الجماعي في أول الصفّ.

**

كثرت في الآونة الأخيرة "المهرجانات الشعرية" بشكل لافت للنظر؛ ولمّا كان على رأس الجمعيات المنظِّمة أُناسٌ لا علاقة لهم على الإطلاق بالشعر ولا معرفة لهم بالشعراء، فأنت تجدهم يستدعون إليها العيالَ على الشِّعر وأدعياءه من التافهات والتافهين من المغرب وخارجه، ويُكثرون فيها من "الغناء الشعبي" الصاخب ويزيدون على ذلك فقراتٍ من "السحر والألعاب البهلوانية" و"القعدة"، وهلمّ شرّاً. ولا أعرف إن كان هؤلاء - بهذه الوصفات التي تفتّقت عنها عبقريّتهم!- يريدون حلّ "أزمة الشعر"، ويفكّون إلى الأبد لغــز عزوف الجمهور عن الشعر؟

**

إذا صادف أن غاب أحدُهم، لسببٍ قاهر أو آخر، عن المشهد الشعري وعاد إليه، فإنّه سيعيش غربة مضاعفة: غربة داخل مجتمعه، وغربة بين جيش من 'الشعراء' الذي تضخّم عددهم بصفة زادت عن "الدخل القومي للأفراد" وأربكت توقُّعات "المندوبية السامية للتخطيط"؛ ولا أعرف إن كان ذلك حلّاً مناسباً لتحقيق "الردع النووي" وتوازن الرعب بينهم وبين "داعش"؟

**

 غريبٌ أمرنا نحن المغاربة، إذا جاء أحدَنا اعتراف أو إشادة أو إشارة من بعض المشارقة، تجده يُهلّل لذلك ويهتف به كأنّما يولد ثانية. فيما سبق كنا نتفهم ذلك في سياق التدافع الثقافي والحضاري بين الضفّتين، لكن ما نستهجنه اليوم هو أن تأتي هذه "الدمغة المشرقية" من كُتّابٍ من الطبقة العاشرة، ومن دور نشر مرتزقة، ومن متعهدي حفلات "الريع الثقافي". يا أيها المغاربة، بعض الثقة في النفس، فإنّكم ورثة حضارة وعلم لو تعرفون.

**

  عندما يصبح (الأدب في خطر)، بدلاً من أن يكون (على حدود الخطر)، فإن أقلَّ ما يتعرض له الأديب هو الصعقات الألفبائية.

 

**

من عاداتي المقدسة أن آخذ قيلولةً بعد تعب ساعات النهار الأولى، ويحدث أحياناً أن تَقيل معي ابنتي الشفاء، فكانت تتوسل إليّ أن أحكي لها قصّةً من القصص التي أرتجلها لها من بنات خيالي ارتجالاً، بلغة عربية تخاطب وجدانها الطريّ. ظهيرةَ هذا اليوم، حكيتُ لها قصّة "الدبّ الذي ترك الغابة نحو المدينة، بحثاً عن حياة كريمة. وهو في طريقه إلى المدينة، مرّ به صاحب شاحنة فحمله معه، بعد أن رأى عليه علامات التعب. وما أن أخذ الدبّ مكانه من مقصورة القيادة حتى غرق في النوم..". فندّتْ عن الشفاء ضحكة قوية، وفهمْتُ منها أن عبارة "غرق في النوم" أضحكتها لأنّها لم تتعوّدْ أن تسمع مثلها. فلم أشأ أن أُحدّثها عن المجاز والاستعارة، لأنّ وعيها ليس بوسعه بعد أن يدرك مثل ذلك. لكن سألْتُها: "لماذا أضحكتْكِ العبارة؟" قالت: "أضحكني شكل الدبّ وهو يغرق في النوم". لاح لي أن الشفاء تصوّرت الاستعارة قبل أن تفهمها، وتلذّذت بها بعدما انطبعت في نفسها، وقد كانت عليلةً بالكاد تتكلّم. ثُمّ لاح لي أن محتوى الصورة يكون أبلغ إذا قُدِّم في عبارة وجيزة وبسيطة وموحية، حتى داخل النّثْر نفسه. لقد شكّل لي هذا الحادث الطارئ والمباغت حالة قلق بالنسبة لي في تعاملي مع اللغة من الآن، ليس نحو الأطفال الذين نخاطبهم، بل-وهذا هو الأهمّ- أن نتصوّر نحن أنفسنا أطفالاً يخاطبون من يكبرهم سِنّاً، لأنّ الشعر هو نداء البدايات، وهو طفولة الطفولات. وهنا، أتذكّرُ شذرةً للشاعر البولوني ستانسلاف جرزي ليك، أجدها أبلغ: "الشعراء كالأطفال؛ عندما يجلسون الى طاولة عملهم، لا تلمس أقدامهم الأرض".

 

   **

    المدرسة العمومية.. المدرسة العمومية. في كل دخولٍ مدرسيٍّ، يتجدد الخطاب عن المدرسة العمومية، ويتجدد معه اتِّهامها بالفشل وأُطُرها بالتقاعس عن أداء الواجب. ولقد صار مَفْضوحاً لنا كمُهتمّين ومُمارسين في الميدان، أن أكثر هذا الخطاب التيئيسي والتخويني تُدبّره جهات ولوبيّات متحالفة مع بعض صُنّاع "القرار المركزي"، وتُسوِّقه في منابر ومناسبات إعلامية بما يُشبه عزف الكوال، وذلك لإضفاء المصداقية والمشروعية على خطابها، وبالتالي لتحقيق مآرب من ضمنها: تخويف آباء وأولياء التلاميذ وحملهم على "هجرة جماعية" من المدرسة تمهيداً لإغلاقها في المستقبل، وإحلال التعليم الخصوصي محلّ العمومي استمراراً لتنفيذ ما بقي من مشروع الخوصصة والرضا عنه والتعايش معه بأيّ كلفة تكون. لكن الذي استجدّ هذا العام هو المؤتمرات الجهوية التي يعقدها "المجلس الأعلى" ذو التركيبية الهيتشكوكية في أوطيلات الخمسة نجوم، ويدعو إليها أصحاب الياقات والوجوه العابسة الذي يطالعونك بها من نشرات التلفزيون، وهم يضعون على ركبهم ملفات ضخمة ويشرئبّون، بسحناتهن الجدّية، إلى شاشة عملاقة أمامهم؛ وتخيّلتُ لو أنّ طفلاً كان بينهم لظلّ طوال الوقت يبكي ويصرخ. بعد عشريّة "إصلاح منظومة التربية والتكوين" الضائعة التي لم يُحاسب عليها أحد، يجري الحديث اليوم عن ساعات "التضحية والمواطنة": التضحية بالشيء نعرفه بعد أن جرّبناه سنين عدداً، لكن الذي لا نفهمه هو: ما محلّ إعراب المواطنة في جملة طويلة بلا مسند ومسند إليه، بلا معنى إطلاقاً؟

**

  إذا ثبت مع الوقت أنّ القصائد ذات البناء الغنائي أو الدرامي الشاهق لا تتوافق وطبيعة الفضاء الفيسبوكي إنتاجاً وتلقّياً، فإنّ المُعوَّل عليه -هنا، عبر حامل الكتابة الجديد- هو الكتابة الشذرية أو الإبيجرامية التي قد سنحت لها الفرصة اليوم لكي تنقل الشعر إلى عهد جديد، وتلقٍّ جديد، ومقولات جديدة. وبالتالي، أمكن أن تضخّ هذا الكتابة في ذلك الفضاء دماءً جديدة، وتقطع الطريق عن ضعاف الموهبة ومنتحلي نصوص غيرهم، وبالتالي تسقط الكلفة عن القرّاء من أجل أن يقرؤوا حقيقةً، وتخفُّ المؤونة عن النقّاد لكي يتابعوا ويستكشفوا ويستقرئوا. وهكذا، أمكن للشعر أن يخرج ظافراً من هذا الطور، ويكون تاريخه المعاصر قد شهد حركةً بالفعل.

** 

   لا نلوم الوديان والسيول، فقد عادت إلى مجاريها وثّابةً شرسةً لا يقف أمامها شيء، وهذا حقُّها الطبيعي. وإنما هي ساعة الحقيقة مع النفس، وساعة التعبئة الوطنية، وساعة الشِّعر. ينبغي أن نتعلم من الوديان روح الثورة والتوثُّب، ونطرد عن كياننا الخمول والرضا بتفاهات الواقع، وذلك بعد أن نُشيّع شهداءنا ونتفقَّد شهوة الجذور.  

**

    ليس صحيحاً أنّ المغرب تغيّر. الحكومات هي نفسها. عناوين النشرات والصحف والفضائح هي نفسها. قد تكون التكنولوجيا قد غيرت عالماً من المظاهر. لكن لم يتغيّر شيء في العمق ، لا أقلّ ولا أكثر. يتغير كل شيء من أجل أن لا يتغير شيء.

 

**

  اِسمحوا لي، في البدء، أن أفشي لكم سرّاً ليس بسر هو أن "أسوأ مهنة" ليست لا الصحافة، ولا الإنعاش الوطني، ولا الإشراف على الخيريّات أو حضانات الأطفال المتخلى عنهم، ولا احتراف لعب اليانصيب، ولا أيّ مهنة تخطر على بال إنسي أو جانّ؛ إنها مهنة "تدريس الأدب". نعم، تدريس الأدب. ما الأدب؟ ما الغاية منه؟ فيم ينفع؟ يأتي إليك الطالب (طالب ماذا؟) ويطرح عليك مثل هذه الأسئلة، وهو لم يقرأ كتاباً أو قصة في حياته. بلا "مدخلات" ولا يطمع في "مخرجات" إلا ما كان من حيل الغش التي يبرعون فيها أيام الامتحانات. ولكن ما معنى "الشعبة الأدبية"؟ من يدخل إلى هذه الشعبة؟ هل المتفوّقون في الأدب وممّن لهم موهبة في الكتابة وميل إلى صقلها وتطويرها، أم الذين يجيدون الحفظ ويقرضون كتب الأدب واللغة والتاريخ؟ لا هذا ولا ذاك، إنّهم هنا، وفقط. لقد دُفع أكثريتهم إلى هذه الشعبة دفعاً بغير أن تهيّئ نفسها لشِعاب الشُّعبة. ظنّوا أنها مقاعد للراحة والاستجمام طوال العام، فلا يفقهون شيئاً من درس الأدب، ويجدونه عبئاً ثقيلاً؛ ثُمّ لا يصدقون أنهم نجحوا بالفعل. المهمّ أنهم نجحوا ولا يهمّ المعدل (هل سيحوّلونه إلى رصيد في البنك؟). ولنقل الحقيقة، فهذا الواقع نتاج مواقف الاستصغار والاحتقار التي يواجه بها الأدب ودرس الأدب داخل أوساط الرأي العام في الأسرة، والمجتمع، والإعلام، وحتى في أوساط الوزارة المعنية التي "شطبت" شعبة الأدب مع الأرض، بل وتفكّر في طريقة للتخلص من زوائده الدودية.

  في المقابل، قلّة قليلة جدّاً من أتت إلى الشعبة وسلكت الشعاب. تجد بينهم طلبة نابهين، متحمّسين، حالمين، يسكنهم الأدب ويتذوّقونه، وكلما سنحت لهم سانحة، في مسابقة وغيرها، يظهرون مواهبهم بثقة وحب، ويدفّون أجنحة خيالهم لأول مرة كفراخ مؤمنة بالتحليق. وتجد بينهم طلبة من "الشعبة العلمية" ليسوا أقل حماساً منهم، قد زاحموهم في الصفوف الأمامية وأظهروا الأعاجيب، لتعرف أن فكرة "الشعب" كم هي قبيحة، ضالة ومُعوّقة. إن هؤلاء يجعلونك تحلم معهم، ويسافرون بك إلى طفولتك ومراتع صباك الدافئة، ويُشعرونك بأنّك موجود بالفعل. الحلم، التطلُّع والوعي بالكينونة. هل هناك من مستقبل أكثر من هذا؟

   كم أنت عظيم أيُّها الأدب.. كم أنت عظيمٌ من قلّتك!.

                                       

 **

   عدا الإدراجات العالمة التي تطرح قضايا العصر وتحفز على التفكير فيها بلغة مبسطة، بما يستتبع ذلك من صراع قيم وتبادل أفكار، ثمّة حلمان في نظري يجب أن يتحققا ليأخذ الفايسبوك طابع الراهنيّة، وهما: الكتابة الإبيجرامية والشذرية، ومحكيات الحياة الموجزة (سير وبورتريهات ذاتية، يوميات، مراسلات...). أمّا الإنشائيات التافهة التي تستهلك نفسها في لغة فجّة، والصور ومقاطع الفيديو الفجة والرخيصة، ثم "الستاتوات" التي تقدح في الناس وتتسقّط معايبهم وتسيء إليهم بغير حقّ، فإنّه من أسوأ ما ابتلي به "الفيسبوك العربي" وأخذ يصيبه بِـــمغْصٍ شديد. فيسبوك داعش والغبراء.

 

**

   الكلمات التي قرأتُها، أو التي سأقرؤها، أو لم أقرأها أصلاً، سوف تستعيد، وسط هذه الجلبة المظلمة، أمثولة الشعر الذي لم ييأس من أمل الكلمات مهما احلولكت الظّلمة، بقدرما أوحت بنبوءته التي انتهت إلى حقيقة أنّ القصيدة قد مُثِّل بجثتها في ساحة المعركة الرخيصة.

 

**

    يحدث أن أرافق ابنتي الشفاء في إحدى النزهات، نتبادل أطراف الحياة الصغيرة المنثورة حوالينا كأسعد طفلَيْن في العالم؛ لكن سرعان ما أغيب فتتنبّه إلى ذلك، وتصيح بي مُفْترّةً: "هيه..! هل أنا أتحدّث إلى حائط؟". أطلب منها السماح، وأقول في نفسي: "هو بالفعل حائطٌ بآلاف الخربشات".

 

 **

   سألني ولدي عبد الله الأصغر، ونحن على مائدة الفطور: "من هو الذي يعيش في الغابة؟" فأجبته بشيء من الدعابة واختباراً لذكائه: "الإنسان"، فاندهش لجوابي وافترّ عن أسنانه الطرية، قائلاً بنبرة حزم: "لا، لا يا أبي. إنّه الحيوان.. وهل الإنسان له أربع أرجل حتى يعيش في الغابة !". فابتسمْتُ له وكأنّي رضيتُ واستحسنْتُ بداهته. لكن قلت مع نفسي، لو أنّ الإنسان مشى على أربع أرجل، لشغله المشي عن سبّابتَيْه العدوانيّتين، ولكان أراحنا مِمَّا يقترفه من جرائم وفظاعات في حقّه قبل الحقوق أجمعها. إنّه يعيش بالفعل في غابة، غابة لا تحصى. 

**

   حصل معي أكثر من مرّة أن يطلب مني أحدهم أو إحداهنّ رأيي في ما يكتبونه من شعر. أقرأ ما يُعرض علي، وأتحرّى الصدق من وقتي وجهدي، حتى أكون أَهْلاً لهذه الغاية. لكني أصاب بالحيرة وانسداد الأفق وأنت تقرأ لأشخاص يحبون الشعر ولا يبذلون ما في وسعهم حتى يُحبّهم الشعر بمثل ما يحبونه وأكثر: خواطر، انثيالات عاطفية مفككة، ملفوظات نثرية مخنوقة وأخرى عجلى، إلخ. لا أستطيع أن أكذب عليهم ولا أن أجاملهم فأقول إني ما أقرؤه شعر. أقول رأيي بصراحة وتجرُّد بحسب ما تمليه عليّ قناعاتي، ومن جملته: أن اقرؤوا الشعر من ينابيعه الثرّة، ولا تتعجّلوا محصول الحواسّ، وأيّاكم أن تعدّوا كل ما يُنشر في الفيسبوك مقياساً للشِّعر. بيد أن معظمهم لا يتقبّل رأيي، فيردّ علي بلفظٍ نابٍ، أو يضرب عني صَفْحاً، أو يشطب اسمي من لائحة أصدقائه. هكذا، بكل بساطة وبلاغة نادرة، أفهم لماذا الشعر لا يحبُّ مثل هؤلاء وأولئك. 

 

**

    يقودني وازع البحث بذريعة أخرى للفهم، إلى استكشاف متن شعري عربي عريض يمتدّ من كتابة جبران خليل جبران إلى كشوفات قصيدتي التفعيلة والنثر حتى وقت قريب، فأتساءل بيني وبين نفسي: "هل عندنا كلّ هذا الذهب، ونتعثّر بثياب الإمبراطور في الظلمة ؟". يُخيّل إلي اليوم أن هناك ردّة جمالية، وإسهالاً غير مبرّر تحت تأثير الموضة، وفظاعات لغوية ترتكب باسم الشعر. حتى في القصيدة نفسها، ثمّة داعش والغبراء.

 

**

عبر المباشرة والشعارات المهيجة والوهم بالمغايرة الآنية، يتحول الشعر إلى بضاعة مثالية للتلقي السريع الذي يئد أيّ إمكان للفكر.

 

**

   يتقاسم فضاء القصيدة المغربية اليوم نمطا قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر، في ما انحصر نمط القصيدة العمودية في فضاء مناسباتٍ قومية ووطنية معيّنة وآنية، بسبب ما يفرضه ذلك النمط من إشباع ثابت ولا واعٍ لوجدان الجماعة . وقد بدا يثبت، باستمرار، أنّ قصيدة النثر باتت لسان حال الشعراء الجدد الذين لا يُخفي قطاعٌ كبير منهم تهافته على كتابتها بغير علم أو عن حسن نيّة إذا جاز القول . من هنا، لا يخفى على المتتبّع للحركة الشعرية الواقع الطاغي الذي أخذت تحتلّه قصيدة النثر التي تعني كلّ شعر خارج شرط الوزن والقافية، حتى وإن كانت هذه القصيدة لا ترتقي إلى مستوى الشعرية . الكلّ يكتب، ولكن لا سجال نقديّاً يضيء ويُوجّه ويسمي الأشياء بأسمائها، بلا ادّعاء ولا محاباة . وأعتقد أنّ هذا الواقع نجده في كلّ البلاد العربية، كأنّ هناك إجماعاً على واقع الرعب في الآداب .

**

    أُمنّي النفس أن أكتب شيئا من الشعر، أو شذرات بالأحرى، في الدار البيضاء كُلّما حللت بها؛ لكن مثل هذه المدينة، هذه الذخيرة المنثورة بلا حدّ، تحتاج- فيما إخال- إلى وقت لتساكنها، وإلى أذن ليست موسيقية بالضرورة. باعة، زعيق لقيامة من السيارات، صفارات إنذار، تقاطع طرق وصور وكتل قل أن تجتمع، طوابير أشجار منذ الصباح، أفق غابات.

   لهذا السبب، أفهم لماذا الدار البيضاء هي التجلي الأبرز للروح المغربية الحديثة في عذاباتها وأشواقها؛ ولماذا كانت مختبر الصور والاستعارات التي غيّرت أفق الإبداع المغربي؛ ولماذا أهم شعراء المغرب منذ قرن كانوا يأتون من هذا المكان، من الدار البيداء بتعبير إدريس الملياني أحد ساكنيها الكبار؟

حتى كتبتُ "ساعات كازابلانكا".

**

بيننا جمهرةٌ من المثقّفين يزعمون أن التاريخ الثقافي للمغرب بدأ مع الزمن الاستعماري؛ فالأدب والفلسفة والفنون والصناعات جاء بها المستعمر. والخطير أنّهم يُمرِّرون مثل هذه الدعاوى عبر خطابهم وفنّهم المدعوم من جيوب دافعي الضرائب، ويوهمون جمهورهم بذلك، بل إنّهم يزرعونه في وسطهم المجتمعي على نحو ما يخلق شريحة مغتربة عن تاريخ بلدها وحضارته العريقة التي تمتدُّ لمئات السنين.
كما صار من الموضة لهاث البعض الآخر وراء ما كتبه المستعربون الذين قدموا لأغراض مخابراتية واستطلاعية قبل احتلاله، عن طعام المغاربة ولباسهم وطقوس زواجهم وغير ذلك، كأنّ في هذا الأمر إقرارًا ضمنيًّا بجهلنا لعلم التأريخ، وأنّه ليست لدينا مدونات تحفظ الموروث الثقافي المغربي، وأنّه قبل التدخل الاستعماري لم يكن هناك سوى الفراغ والسديم.
والحال أنّه من المطلوب من أهل الاختصاص - وقد بدأ مثل هذا الوعي حديثًا- ألا يتوقفوا عند الحقبة وتأريخها "بيد الأجنبي" الذي لم يكن كلّه "سمنًا في عسل"، بل عليهم أن يتجاوزوا ما قبلها بحقب طويلة من "المُعجب" في تاريخ المغرب بتعبير عبد الواحد المراكشي، مستهدين ب"أركيولوجيا المعرفة" مثلما اشتغل بها ميشيل فوكو وهو ينقب في الوثائق والمصنفات والربائد وغيرها من المعطيات. التاريخ ليس علمًا وحسب، بل فنّ الذاكرة الجماعية.

**

كنا نرتدي ملابسنا داخل الحمّام البلدي، إذ بي أسمع ابني ريان يدندن بكلمتين من اللسان الدارج تنتهيان بالحرف نفسه. يضغط عليهما، ويعيد الكرّة ثانية وثالثة. ليس هذا وحسب، إنّه يزمّ شفتيه بفرح مع كلّ دندنة، ويحاول بينه وبين نفسه أن يوجد لهما ما يشبه أغنية. هو لا يعرف شيئاً اسمه القافية ولا ما يتعلّق بها في حساب العلماء. لكنّه بفطرته فتح عينيّ، في لحظة انخطاف، على ينابيع الشعر الأولى، وعاد بذاكرتي إلى طفولته السحيقة، عندما كان الشِّعر يُنْشد بتلقائية، وكان الشاعر يتغنّى به ويستعين به على قضاء شؤون يومه القلبية واليدوية، بل وجعل منها كلمة عبور بينه وبين المتلقي في عزّ الشفاهية. إذا كان الشعر في شيخوخته أخذ يهجر القافية ويرسلها ويستعيض عنها بصيغ جديدة إيقاعية، إلا أنّه ليس من اللائق أن نمنع الأطفال من الاستمتاع بالقافية ضمن عناصر الإيقاع الأخرى من وزن وموازنات صوتية وتركيبية، عندما نكتب إليهم شعراً باسمهم وباسم أحلامهم وأغانيهم العظيمة في بساطة كلماتها. 
لكن مَنْ من الشعراء بيننا من يكتب شعر الأطفال الذين تركناهم أيتامًا على "دين الستاتي والداودية وتسونامي"؟
في اعتقادي، داخل كلّ شاعر يوجد ثمّة طفل، ولكن ندر أن تجد شاعراً ليس يكتب للطفل فحسب، بل يكتب لنفسه بصفته طِفْلاً.

**

في لقاء إذاعي، سئلت عن دور الشعر في أيامنا:
"ليس بوسع أحد من الشعراء أن يدعي بأنه سينقذ أو يغير العالم؛ لأن أقصى ما يطمح إليه الشعر هو أن يغير نظرتنا المتراخية للعالم بقدر ما يؤنسن العلاقات بيننا- نحن بني آدم الذين صرنا أكثر عداء لبعضنا البعض. بيد أن ذلك يتطلب غير قليل من الوقت والشعر".
مثل هذه الكلمات خرجت مني بلا استئذان، بل إني شعرت - كأنه حلم - بأن غيري ممن لا يملكون بالضرورة ثقافة نظرية قد وقعت في نفسه وأحدثت رنينا ما. هذا هو شرط الشعر؛ شرط الضرورة وشرط الغيرية.

**

أخطر ما يتهدّد القصيدة اليوم ليس الشللية ولا النقد الطائفي؛ لأنهما مرحليّان، بل "الشعرية الشعبوية" التي تصيبها بالقولون العصبي.

**

نحن - بمعنى ما- نعبّر عن اللاشعور السياسي الجريح للطبقة المتوسطة التي طُردنا منها.

**

 T.S. Eliot الشاعر العربي إليوت 
إشعاع شعره، عدا عن أثر آرائه النقدية حول المعادل الموضوعي ووظيفة النقد والموروث والموهبة الفردية، جعل منه "معذّب الحداثة" في نسختها العربية.

**

بغض النظر عن المهرجانات التي تكاثرت كالفطر، بعد أن قلّموا أظافره وحولوه إلى أغنيةٍ مبتذلة في أفواه مهرجي سيرك، يبقى الدرس الرئيس للشعراء في عيدهم الأممي هو أن يحبُّوا بعضهم ويمنحوا اللغة المزيد من أمصال الجمال والحرية والخيال في زمن لا شعري.

**

البلد الذي يطل على شريط بحري طويل، يموت فقراؤه من الجوع وشعراؤه من العطش.

**

لي نسب رمزي مع محمود درويش، هو القصيدة في حالة النشيد اللانهائي. فهو يحضر عندي بصفته يدا موشاة عابرة لأصوات النص، لا سلطة لها إلا بقدر ما تشير من طرف قصي. كما يحضر موضوعا مفكرا فيه وذا راهنية في صلتي بقضايا الشعرية العربية، فكتبت عنه أكثر من مقالة تنشد إلى ما يختص به فضاؤه الشعري، ولاسيما ذاك الذي شرعه على جماليات الأنا الشعري- السيرذاتي.

في عيد ميلاده، أعاود اكتشاف ذاكرة النسيان التي كتبها محمود بالنيابة عنا في حضرة الغياب الكبير الذي ليس سوى أليغوريا عن ضياع المعنى والحياة والتاريخ.

**

المجانية هي آخر قلاع قصيدة النثر، بعد انفراط العقد بما فيه.

**

اللغة لا تستطيع بالتواصل فهم العالم؛ وهذا من أقوى مبررات الشعر.

**

ما أحزن الشعراء في أمة ضائعة !

**

أخي إبراهيم، أنا لن أودعك حتى وهم يوارونك الثرى، حتى وأنت تغمض عينيك على ظلام هذا العالم البئيس. أخي الذي لم تلده أمي، وأخي الذي آخى بيننا الدهر العضال على صبر أيوب وندائه الخافت وسط جلبة العالم السفلي، وأخي الذي كان بيني وبينه حبل سرة لم ينقطع منذ أن التقت عيوننا هنا- في المقبرة الجنوبية، منذ عشرين سنة.
أبا سفيان، لن أودعك. لن أقول "وداعا". سأعود أدراجي إلى جنينة بيتي الخاصة؛ حيث تنتظرني بوجهك المزغب الشاحب الذي تجلله بسمتك العريضة، وحيث علي أن أعتذر لك عن سفر الغيابات الذي لم أكتبه وكتبه غيري أنا. ستعاتبني، ثم تغفر لي كما كنت تصنع مع الحياة التي لم تهبك إلا الأقل الأقل، وبقيت تمني نفسي في نجمة بعيدة حتى أضاءت لك.

**

أهمّ مغنمٍ بالنسبة إلي من الفايسبوك هو أن أعبر عما أؤمن به بلا انغلاقية أو إيذاء لأحد، وأجاهر بصوتي بعيدًا عن شلّة ما أو جوقة اصطفافيّين عابرين. وفي هذا، أدين لأصدقاء خُلّص رائعين جعلوا من هذا الواجب قاسمًا مشتركًا ودائم الحضور "لا يرضى من الغنيمة بالإياب".
فالفايسبوك ليس حفنة "لايكات" نلهث وراءها بأيّ وجه، أو لعبة أقنعة نرتديها تحت أيّ طائل وطارئ، بل هو منصّة مواقف واضحة وتعبيرات جمالية للرقيّ بالذائقة والنقاش الثقافي العميق.

 

 

 

 

 

**