من عُلـــوّ هاوية


Diwan 1

عن منشورات بيت الشعر في المغرب، صدر ديوانٌ جديدٌ بعنوان “من عُلوّ هاوية . وقد جاء الديوان في (112) صفحة من القطع المتوسط، ويضم تسعة وعشرين قصيدة، منها القصيدة القصيرة، والمتوسطة المفقّرة، والقصيدة التي توزّعت بين ومضات وشذرات من معيش الشاعر وسيرته الذاتية. ومما جاء على غلاف المجموعة الشعرية، نقرأ: “يختلق عبد اللطيف الوراري عالما شعريا منذورا “للهاوية” بما هي سقوط وأسف على المشاهد الآيلة إلى الانهدام، كأنّ القصيدة وقوف على جرف الحياة وعلى كابوس ما نَفَق منها. وَهْم الشاعر أن يكتب الأشباح وهي تتصاعد إلى المشاهد فتُلبسَ الرغبة في الشعر الخسارات المتوالية. كلما قبض الشاعر من القصيدة بيتاً، أو راهن على حلم، تضاعفت الذكريات وتزاحمت صور الموت والفقدان.. يَأْسٌ يطوف بالذات، وليس للقصيدة غير مواجهة مستحيلها: فقر الخيال، مُدّعي الشعر، لغة الخشب، أصنام الوقت…”.

ومن أجواء الديوان نقرأ هذه الشذرات:

لقد كانوا شُجْعانًا وكِرامًا بالفطرة؛

دَارَوْا جوعَهُمْ

وسط الصحراء

بِصوْتِ قافية!

***

يا أصدقائي،

 إنِّي أقرأُ شعركم على ضوء سريرتي.

كُلَّما طال لسان الذُّبالة سهرتُمْ معي،

ورفعنا الأَنْخاب في لَيْل القصيدة.

***

كُلُّــهُمْ

تَحدّثَ إليَّ

إلّا أنْتِ،

يا ألسنة النَّار.

***

إنِّي أبكي نَهْرك

أيَّتُها القصيدة؛

فقد غَلَّقوا عليك المصاريع

وجاؤوك بِمَجازٍ كَذِب.

***

يا لَلْمُفارقة!

ماتوا من العطش،

وهُمْ على ضِفاف

 وادي عَبْقر.

***

أيُّها الْخَشَب،

 ماذا صنعتَ

 بِـاللُّغة؟

***

أَنْ تُوافق بين الألوان

وتجعلَ تحتها خَطًّا عَريضًا

حَتَّى لا يقع الرَّسْم:

الشِّعر كما شرحتُهُ لأبنائي.

***

أيَّتُها الرِّيح، لا تلعبي بِستارة النافذة،

وبِالظِّلال على جُدْران غُرْفتي؛

فإنَّ أحلامي قد نامَتْ

ولا أعرفُ أنا أيَّ طريقٍ أَسْلُك؟

***

عندما يختنقُ البيت

بِالْقِصَص الرتيبة،

وتقِلُّ حوافزُ البناء،

تأخذ النافذة شكْلَ عزاء!

***

الشِّعر كما يَصِلُـني

 هو كلُّ نِداء،

إلَّا أنْ يكون

نداءَ باعة.

.

عن ديوان "من عُلوّ هاوية"

صلاح فائق: المجموعة الشعرية تغتني بعدد قرائها المُتفرِّدين

صلاح فائق*

لا أعرفُ إلَّا القليل عن مستويات كثيرة من بلدان المغرب العربي، لكن أعلم الكثير عن أدبها وشعرها وموسيقاها. أراها من الخريطة، أنا البعيد جدًّا، تجلسُ على شواطىء البحر المتوسط وتتطلَّعُ، بحنانٍ، إلى الجهة المقابلة، حيث تستلقي إسبانيا، ومن روحها الجنوبي نسمعُ صوت زرياب، المغني العراقي، ينشد مع عوده بأوتار إضافية .
"
أنتظرُ بريد غرناطة

حتى الغروب":

يقول الشاعر عبد اللطيف الوراري في مجموعته الشعرية الجديدة "من علوّ هاوية"، وكأنّه يستعيدُ صوت شقيقه الأندلسي، لوركا. مشاهد وصورٌ، في هذه المجموعة، تغريني لأبحث عن حاضنة هذه القصائد، طبيعيًّا ونفسيًّا.

"أقضي سحابة نهاري

أجمعُ الظِّلال"،

يضيفُ في قصيدة أخرى.

  وتمضي الصفحات بعد الصفحات، لتوثق رؤياه عبر ما هو عابرٌ ويوميٌّ، لنصل في النهاية إلى القناعة بأنّه مُتفرٍّد. هذا جميل، يتيح لي في المجال أن أحيل شعره إلى تجاربي الشخصية لأصل إلى قراءتي الخاصة.

  ومن هنا، فإنَّ المجموعة رغم أنَّها تحمل اسم الشاعر، فإنّ هذه الإحالة تُغْني هذا الشعر وتُحوِّله إلى مجموعات بعدد قرائها المُتفرِّدين.
ومن حقائقنا اليومية تصطبغ "الشَّمسُ بالدم وهي تجنحُ إلى الغروب".
هذه تبقى حيّةً ونابضةً. إنَّها مجازفة، وهذه من أسرار الشعر.

جمالية السرد الشعري

 في "من علوّ هاوية" للشاعر عبد اللطيف الوراري

صالح لبريني

على هامش البداية:

إن التجربة الشعرية للشاعر عبد اللطيف الوراري تتخلق من هاجس إبداعي مَحْتِدُهُ البحث الدؤوب عن كتابة شعرية تقول واقعها الإبداعي؛ بأسلوبية لا تتجاسر على المنجز النصي القديم، وإنما تفتح معه حوارا عميقا ناتجا عن ثقافة عربية شعرية أصيلة، جوهرها الإنصات السابر عمق هذا الخطاب، ولا يتطرف في المنجز الشعري الحداثي، وهذه من خصائص الشعراء المخلصين والوثّابين للخلق والابتداع. ولعل هذه الخلفية الشعرية كانت وراء نضج تجربة الشاعر منذ عقود من زمن الإبداع المغربي، حيث يعدّ من الأصوات الشعرية والنقدية التي لها إضافات نوعية في المطارحات والتناولات النقدية.

  وليس غريبا أن يمثّل الشاعر عبد اللطيف الوراري مسارا شعريا ونقديا متميزا، عنوانه الإصرار على مواصلة الحفر في جغرافيات؛ من الندرة الاقتراب منها من لدن المنشغلين بالحقل النقدي ، فهو كان من بين الذين أسهموا في ترسيخ ثقافة الاعتراف، عبر فتح قنوات التواصل مع رواد القصيدة المغربية المعاصرة، من خلال حوارات أضاءت عتمات الشعر المغربي المعاصر، ومساهما في الانفتاح على الثقافة الغربية؛ بوساطة ترجمة أعمال لتجارب مهمّة. كل هذه الموارد المعرفية شكّلت هوية الشاعر، الذي سنسعى إلى الوقوف عند جماليات السرد الشعري في تجربتة الشعرية.
 (1) جماليات السرد الشعري:

  إن هذه التجربة تنتمي إبداعيا إلى شعرية تتجذّر في تربة الشعرية المغربية، عن جدارة لكون " قصيدة الحداثة تجترح لكينونتها الشعرية ملامح خطاب شعري منفتح على كل ما يمكن أن يخصّبه، ومن الممكنات الأدبية التي بدأت تطغى على هذه القصيدة الممكن السردي، هذا الأخير تحول إلى بصمة يصطبغ بها النص الشعري الحداثي، وذلك وفق متغيرات في التصور لكتابة شعرية لم تبق رهينة بنية منغلقة ومسوّرة بأغلال ميتة لكونها، جاهدة أبدا في الهرب من كل أنواع الانحباس في أوزان وإيقاعات محدّدة، بحيث يتاح لها أن تكشف بشكل أشمل عن الإحساس بتموج العالم والإنسان" فهي قصيدة عاقة خارجة عن القوانين، التي تواضع عليها أهل الشعر قديما، متمرّدة عن المألوف، غير أنها تنصت لذبذبات الذات والعالم، من خلال ثنائية السردنة والشعرنة، وقد أكد أبو حيان التوحيدي هذا التداخل أو العبور الأجناسي إذ يقول: "في النثر ظل من النظم  (الشعر). و لولا ذلك ما خفّ ولا حلا ولا طاب وتحلّى. وفي النظم ظل من النثر، لولا ذلك ما تميزت أشكاله، ولا عزبت موارده ومصادره، وبحوره وطرائقه وائتلفت وصائله وعلائقه ". إن هذا المقول النقدي يرسّخ حقيقة العلائق الوشيجة التي تربط بين الشعر والنثر، و تلعب دورا إبداعيا في الخطاب الشعري المعاصر، حيث تؤكد حقيقة التداخل النصي، ذلك أ " النص الأدبي يقوم على رؤية إلى الأشياء قد تكون هذه الرؤية مرتبطة بمجال الذات، كما تستهدف الخارج، وسواء حال الذات، أو حال الخارج، أو هما معا، فإن غاية التفسير. تفسير عالم الذات والخارج" . من هذا المنطلق يمكن القول إن التجربة الشعرية ، هي تجربة تتشابك فيها الذات بالموضوع، والقراءة والتأويل إضاءة لكل منهما على أساس استكناه مغاوره التعبيرية والأسلوبية، التي عبرها حققت شعريته وخلقت جمالياته، فهذه المرآوية التي تربط بين الذات والعالم لا يمكن اعتبارها محاكاة داخل العملية الشعرية؛ بقدر ما هي حوارية جوانية تحاول القبض على الغامض، والإبحار في باطنها بعيدا عن الظاهر النصي، بوساطة تناول مقارباتي يكشف جوهر إبداعية التجربة .

   وفي هذا السياق فديوان " من علو هاوية" يندرج ضمن هذه المقاربة القراءاتية، ساعين إلى ضرورة التمعّن في الخطاب الشعري المؤسّس لهذه التجربة، فما يميزها أنها تعتمد على لغة شعرية منبثقة من عمق السردية العربية، ونقصد بالضبط الآليات الموظفة في بنية النص الشعري، إذ نلاحظ هيمنة السرد المُشَعْرنِ و الشعر المُسردن، وفق تصور للعملية الإبداعية يشكّل مرجعية لدى الشاعر، مؤكدين أن هذه السمة السردية حاضرة في الشعر العربي ،منذ ولادته الأولى، لكن ما يميّز هذا المتن الشعري، كونه يفتح باب الحكي الشعري ، من خلال المؤانسة التي تعتبر ، في العمق، بشارة لسردية شعرية محورها الذات والذاكرة، فهذا الباب يسرد سيرة الذات الضاربة في قدم وجودها، فهاجس حضور الذات يمكن اعتباره المحفّز الأول ،للعودة إلى الطفولة لينفتح على سردية الحياة يقول:

 ( آنست باباً
كان شاهدة
وكان وديعة
من أربعين صدى ونيف
الباب أسمعه هناك بداخلي ....)

فسردية المقطع الشعري نابعة من هذا الإحساس الثقيل الذي تشعر به الذات وهي تواجه هذه الذاكرة، وما يبئر هذه السردية توزّع الذات بين أزمنة الماضي وأزمنة الحاضر كإحالة ضمنية على التمزّق الداخلي، والأفول الذي يطارد اسم الشاعر.
فبنية النص تعتمد على آلية السرد المشبع بشعرية انزياحية ، بوساطتها تمّ شحن الخطاب الشعري، برؤية تقتنص مرجعيات الذات كمنفعل مع الموضوع؛ والمتمثل في (الباب) الحابل بجنوح دلالي يفضي إلى ما هو مشترك من حكايات وأحداث وصلات مشبعة بالألفة التي تفتقدها الذات في حاضر، من سماته النواح والغياب والنسيان والجوع الرومانسي لحياة ضاربة في طفولة هاربة والسعال والذبول ودرامية الواقع والاغتراب بشتى تلاوينه الذاتية والوجودية. فسرد الذات وسيلة من طرق البحث عن الكينونة في شجرة النسب، التي تحكي أناشيد العمال المترعة بآلامهم وعذاباتهم يقول:

( وجدنا الأشجار وصلت قبلنا
بلد الغزلان
منذ هذا التاريخ أسمعتنا الأغصان
الأناشيد الباردة لمياومين إنسانيين
ثم تراخت عن اللازمة
بعد أن اصطفت بشارع الآلام …)

فالذات تحفر في الذاكرة مستقصية عن وجودها المطوّق بالشجر كإحالة على التجذّر، والألم كشعور دال على التحولات الرهيبة التي تمسّ الذات والواقع، وعليه فحالة التشظي بادية عبر متواليات سردية تنبض بالشعر الإيحائي الوامض، والمغري بالغوص في كوامنه باستعاراته المذهلة وتشابيهه الموغلة في بلاغة الحياة، ولعل منطوق النص يبرز هذا المعطى يقول الشاعر:

( يحصل أن يتصدع
كل شيء في المرآة
إلا الزجاج؛
إلا حين أبكي.
لهذه الغاية،
كنت أفرك أصابعي ….)

فصور الصّدْع والانشطار ممكنات تعبيرية لتوصيل ملامح التمزق للقارئ، بأسلوب سردي يلجأ إلى حبكة زفزافية تضيء عتمات السرد من الأسفل كما عبّر عنه إدريس الخضراوي. ولا نستغرب من حضور السمة السردية في هذه التجربة، نظرا لكونها تحاول أن تشرّح الذات بمشارط الإدراك الوجودي لكينونة مهدّدة ، متلاشية، متشظية، وبوعي بالكارثة المحيطة بها، فكانت اللغة والخيال المَصْل الأسلوبي للحفاظ ما أمكن عن هذه الكينونة المقذوفة في هاوية الوجود، حيث الفراغ سيّد الأفضية والأزمنة، ممّا جعل الذات توظّف الحكي بصيغة شعرية لنسج صور شعرية تغوص في البواطن؛ كاشفة عن عمق المكابدات الذاتية والواقعية يقول:
 (لم أشأ أن أقول شيئا
فالهواء المالح وحده
على الأرصفة وأسماء الفراق
يروي لي مع غرباء مثلي
عن سيول جرفت البريق من العيون
ورمت بالأحجار جانب القصّة
لإيهام مَن مثل خطوي بما حدث)

فمعالم الموت الرمزي ظاهرة وشاهدة على شراسة الكارثة، حيث الهواء المالح والفراق والغرباء والسيول وبرد المفاصل؛ هي شواهد تعبيرية تقدّم مشهدا غارقا في سوداوية مضحكة تبطّن سخرية ماكرة تجاه عصر كوميدي، مستثمرا تقنية التشخيص الشعري من خلال منح صفات إنسانية للأشياء فالهواء المالح يتحول إلى حكّاء؛ يقدم حكاية السيول الجارفة، والنوافذ المتصايحة ببرد المفاصل، مما يبرز مجابهة الذات لغربة قاسية.

  إذا كانت البنية السردية تتخلّق من رحم الحكاية الزاخرة مكوناتها بالسمات التوترية والحركية والجدلية، فإن البنية الشعرية قوامها الأساس الشعور بالغربة القاسية وحالات الصراع بين الذات والواقع، ممّا يجعل هذا الشعور متشظيا ومفكّكا وجانحا عن الكائن، ومتطلّعا للممكن المحلوم به. فالممارسة النصية تؤكد أن السمة السردية حاضرة في المظانات الشعرية عبر العصور، لكن يتم التعبير عنها وفق ذلك بسلاسة، بعيدا عن التعقيد والتشابك وبعفوية وسيولة قولية ذات صفاء إنساني. هكذا، يمكننا القول إن استخدام السرد في الديوان يقوم على السرد المشهدي؛ أي أن الشاعر يقدم لنا عالما شعريا مشهديا عَبْره تفصح الذات عن موقفها من العالم يقول في تكرارية مثيرة لحرف الجر "في":
(في عيد التوت والرايات؛
في سعلة الضوء يشرد بين الوديان؛
في صرير الباب وعلى وتائر لا تظن به السوء
في الأحلام تسحل على الرمل )

هي مشهدية سردية تشخيصية تمكّن الشاعر من تصوير ملامح عالم طافح بالعتمات، والصرير المُحيل على شراسة الغياب والأناشيد والأرصفة العليلة، وهذا تعبير عن موقف الرفض لهذا لوجود تنعدم فيه شروط الحياة. وتتبئّر هذه المشهدية التشخيصية عندما تحملنا علامات نصية دالة على ما هو باطني؛ إذ تكشف الذات عن حالة العزلة المؤثثة لفضاء الروح، ولعل في النفخ الدّال على الولادة إعلان عن الحياة، لكنه نفخ مسيّج بالجرح والضياع والندوب والوحشة، فتغرق الذات في سرد القصة بهذا البهاء التشخيصي الحامل لمشهد سردي دال. يقول:

(أنفخ في الناي
مثل طائر ضاع من سربه
...............
وهذا المنبسط يتموج
بمواجد الياسمين
ووحشة الخزامى
وتلك الشيّاه ترعى
من جوعي المقصّب بالنغم
إذ أصل قصبة صدري
بالقصبة التي ترتجف
تحت طائلة الريح)

فالنفخ والريح علامتان دلاليتان تفصحان عمّا تتكبّده الذات من مكابدات ،جرّاء العزلة والاغتراب الذي تحياه في مشهد غروب مندحر من فوهة العالم، هكذا تظل الذات تبحث عن الحرية في كون يتوشّح باحتراقات الكينونة في "حقل الحقيقة الشارد" واعتلالاتها الكسيرة الباطن وبمشاعر الألم في متتاليات سردية منسوجة بإبرة التشابيه والأفعال الناقصة والتوصيفات الضاربة في العتمة. يقول:
(كنتُ معتلّا، كسير الخاطر
وجبيني يرشح بصغار النمل
تبدّدها ريح ترقد بين أوراق العشب)

الصورة ذات مشهدية حزينة وشجية تبرز هذا الحكي النابع من شعور الذات بالفداحات المسيّجة بالغصص وفزع الأحلام، فتتحوّل هذه المشهدية إلى سعي الشاعر إلى أنسنة كائنات الطبيعة بسمات إنسانية تعبيرا عن التمزّق الوجودي والاندحار الحضاري. يقول:

 ( رأيت الأشجار تزحف على تاريخ محروق
وفوقها الغربان ترجع قانون الثمار بسوء نيّة
والجذوع قايضت أغصانها برؤوس الأفاعي رأيتها)

إنها شعرية الكارثة بمسحة سردية تفصح عن عالم مآله الفناء والاختناق، الأمراض واليأس، وهاوية تشهد على الاندحار القيمي ،الذي يتخبط في الإنسان المعاصر، وممّا يؤكد ذلك لجوء الشاعر إلى تقنية التسريد الذاتي.
 (2)  التسريد الذاتي والعبور الشعري:

  لا شك أن الشاعر، وهو يخلق نصية شعرية عمودها الأساس التعبير عن الذات والعالم ، كان يؤسس لخطاب شعري مُشْرَعٍ على المزاوجة النصية ، ونقصد بها تحويل الشعر سردا والسرد شعرا، في علاقة تبادلية وبإيحائية لا تفقد التجربة الحرارة الشعرية، ولا تغرق في سردية ممجوجة ، لكنه حاول الانفتاح على الذات وهي تؤرّخ لتاريخ الذاكرة السردية، من خلال الحبكة الشعرية التي تشير إلى الملمح الحكائي يقول :

 (كنتُ أتحدث إلى الأشجار
عن الحشائش التي طالت
من طول تفكيري في ممرّ الأحزان
وجدتُ أن للآثار نكهة مجهول
في كأس بألوان كثيرة
وأنّه يظهر ويختفي
مثل ثعلب محمد زفزاف )
فالذات تسرد علاقتها مع الطبيعة في حميمية حوارية تكشف عن كون السرد قوام هذه الرابطة، والتي يرسّخها ثعلب زفزاف ، مما يجعل تجربة الشعر تجربة السرد أيضا، وفي هذا إشارة إلى أن تسريد الذات شعرنة للعالم ، من خلال "ياقة الجنتلمان " المحيلة على الروائي السوداني الطيب صالح، وهذا تأكيد لسردية التجربة المعتمدة على المتخيّل السردي يقول:
)سيحكي لي حفدتي في ما بعد الحكاية حُفّظت في أرشيف صار أكبر منّي ، من رجل ربعة القامة ، في نحو الخمسين ، يربّي مع حسنة بنت محمود شعير الحنطة في مزرعة بلا أبواب). إن إبداعية هذا الملفوظ الشعري تكمن في تسريد حكاية مصطفى سعيد بطل رواية " موسم الهجرة إلى الشمال "، عن طريق الوصف الدقيق والمشهدية التي شحنت النص بطاقة سردية ذات طعم شاعري. ولا يخرج الشاعر عن هذه السمة السردية، في "شذرات من سيرة غير ذاتية " فالذات الشاعرة تحكي تاريخ وجودها مذ كانت رضيعا ثم طفلا ومترحّلا في مسالك الحياة، في سردية مفعمة بإيحاءات وإيماءات طافحة بحياة تحتضن القصيدة وتغنّي يأس الحياة. يقول:

 (لا أتذكّره في مشيته إلّا بالكاد،
وأجزم أنه طاف ليرى أباه.
ذلك الطفل الذي كانني
خان ظنّي به وهو يتعثّر بالحنين)
وما يوطّن جماليات السرد الشعري تلك الحفاوة بالأمكنة، من خلال الرصد التوصيفي لها، بمشهدية يافعة بالتصوير الفني والجمالي لهذه الفضاءات المحتفى بها، التي تشكّل حاضنا مهما للذات لتعيد النظر في العالم، فنجد الشاعر قد قدم مدنا لها في الذاكرة الجمعية أثرها؛ وقدرتها على غواية الأرواح والقلوب. يقول:

 (من الفجر
كنت أسمعها
من مكان آخر
يد في المقصورة، يد بسبّابتين من فيلم الرعب
ضجيج لا يطاق يهرّب العصافير من فكرة الصباح ) 

  هكذا يصوّر ساعة كازابلانكا ومن مدينة البيداء بتعبير الشاعر إدريس الملياني، عبر مشاهد سردية تعتمد على الوصف ذي الصبغيات الشعرية، إذا صحّ القول، مدينة الجلبة ومنعدمة الحياة فيها، حيث لا مجال للعصافير في سماء الدار البيضاء، وغيرها كالجديدة التي يستعيد ضياع الليل في وحشة الكلمات، هي غربة الشعر في عالم يُشيع الموت كما في قصيدة "الصرخة بتوقيت إيلان" الطفل السوري الذي قذفته مياه المتوسط جثة هامدة، كإدانة من الشاعر لعالم اللاقيم، ونبذ كل الممارسات التي تغيّب الإنساني في الوجود والموجود.

مجرد خاتمة:

    من نافلة القول، إن تجربة الشاعر عبد اللطيف الوراري تبقى مفتوحة على إبدالات شعرية؛ واحتمالات في كتابة إبداعية تنحو سبلا تعبيرية وأسلوبية غاية في خلق تجربة تنحت خطابا شعريا منفتحا على العبور الأجناسي، ويزكّي قول أبي حيان التوحيدي إذ يقرّ ب" أن المنظوم فيه نثر من وجه ، والمنثور فيه نظم من وجه ، ولولا أنهما يستهمان هذا النعت، لما ائتلفا ولا اختلفا "، هذا التواشج الأجناسي دليل عافية على تثوير العملية الإبداعية، والسعي نحو ارتياد آفاق إبداعية منفتحة على اقتحام أراضٍ بِكْرٍ تحتاج إلى الكشف والحفر.

                    في شعرية ترديد الآخر                 

"من علو هاوية" للشاعر عبد اللطيف الوراري          

 أحمد الشيخاوي

  على امتداد جغرافيا غرائبية لمنجز رُصّعت تمفصلاته الأربعة بتسع وعشرين قصيدة تقصر أو تطول أو تزدان بالقناع الومضي والشذري بحسب تسارعات صبيب البوح الصارخ بإيقاعاته الداخلية، نطالع تجربة الشاعر عبد اللطيف الوراري في ديوانه الجديد: "من عُلوّ هاوية".

لم يخب ظنّي في هامة مدهشة حدّ إرباك ذهنية التلقي وتنقيح المزاج وتلطيفه؛ هامة الضلوع الواعي في سياقات توليد المعنى الزئبقي والجديد للوجع اللحظي في خضم أسئلة وجودية راكمتها الذاكرة  في انجذابها إلى جذور التموقع بين رمزية البرزخ وعلائقه بتناسل دوال مفاهيم الانتماء المنطلقة من الذات الشاعرة، ومن جهة ثانية جدلية حلمية الراهن وطقوس الاحتفاء بالحالة الإنسانية باعتبارها الصدى المباشر لشعرية ترديد الآخر كقرين:

"شَرِقتْ بِرُوحي غَيْمتان،

لهذه الأسباب ، أُ بْعث بينكم.

لا .. لا لِأَني مِتُّ مِنْ زمن بعيد،

بل لِأنّي

لَمْ أَنمْ."

إن الفصل الأول من الديوان يؤرخ لدمغة مستقبلية تصحح أو تعالج بالمعنى التنظيري العميق، إستطيقية الوصل بين الذاكرة وإيديولوجية النسيان جراء مخاضات ثقافة التكريس لبعد فلسفي تستغرقه عدمية نبض الماهية بشاعر يكتب خلوده غير منقوص.

تلكم حفريات الفضول الرامي إلى إحداث بوابة ذاتية مشرعة دوماً على عوالم توديع نظام مكرّس لسطوة التعتيم وهيمنته وتفخيخه بطابوهات عري نهارات المعاناة، وأيضاً تجليات كوميديا استقبال مناخات لا مرئية ترسمها لازمة اللامكان واللااسم واللالون مفجرة بذلك طاقة كامنة وفاضحة للمكنون.

على غرار ذلك تزدهر تقنية استدعاء الاستعارة الكلية خدمة لغرض تشكيلات جمالية تتماهى مع الصوت الداخلي المتمرد على الحبكة أو النسق،والواعد بمعنى التعدد والتجدد والمتغلغل في نفَس المغاير الطوباوي والاستثنائي في فرو يستجلب للذائقة انتشاء حد الثمالة وغيبوبة التلقي.

هكذا تنساب القصائد موقعة اصطداما مخمليا يدغدغ الذائقة ويعمل على إشباع الفضول المعرفي تثريه ذاكرة الرموز كما سيتضح لاحقا. قصائد تتدفق رافلة في حلزونية التفافها وإكمال الدورة حنينا إلى الجذر، الفكرة الأم، عنونة الديوان الهامسة بمفارقة تستفز المتلقي مذ أول عتبة لخوض مغامرة تأويل ممكن من قطوف ما ورائيات ألوان لوحة شعرية سيرذاتية آسرة ونادرة.

هذا وينفتح فصل المجموعة الثاني على استعمالات لا شعورية للرمز الإنساني، مترنما بذكراه التي قد يناوشها غياب الحضور كما في نص: "على خطى عبد الكريم الطبال" ضمن أيقونة بعده المفاهيمي المحيل على سيمياء التأصيل لثقافة النضال الإبداعي وممارسة الأدب الجاد والملتزم.

ناهيك عن أجواء قصائد التماس مع قاموس النهل من معجم اليومي والسائد والهامشي مثلما في نص: "ساعات كازابلانكا" الثري حد التخمة بالتيمة النارية وولوجها الضمني في خلق تقاطعات سمعية بصرية رسالية تتناغم ومفردات النزوع الإنساني.

فيما تفصح قصائد الفصل الثالث عن حمولة نفسية أعمق انصهارا في فوقية المعاناة، ساطعة بأغنية تعنيف استسهال القصيدة المتهمة والمتسربلة بتجدد رحم المجهول، وما ينمّ عن نظير ذلك في تمثلاته المتمحورة على أنسنة الكائن الورقي والارتقاء بالممارسة الشعرية فوق تفاصيل وحيثيات الحياة إجمالاً.

وختاما، يسدل شاعرنا المتمكن من أدواته والواثق من حرفية تعاطيه كتابة جوانية بغرض ترتيبات ذاتية تغذيها هواجس توليد مفاهيم طيفية ومحايثة تتيح تصورات حداثية للانتماء، وطافحة بشعرية ترديد الآخر.

"لا أتذكّره في مشيته إلاّ بالكاد،

وأكادُ أجزُم أنه طاف ليرى أباه.

ذلك الطفل الذي كانَني

خان ظني به وهو يتعثّر بالحنين."                                                           

تمتدّ هذه الشعرية بانفتاحها على حقول دلالية ومتتالية مجازات آهلة بالذاتية التي تكتب المألوف عبر توصيفات خارقة بقدرما تنفذ إلى الروح المكلومة  وتلتقط تصادياتها العابرة:

"أسمع الحفيف مذ وضعت رأسي على الأرض.

ليث الريح تثق بي

فإِني مثلك أيتها الأغصان

لي كتاب أسرار."

من علوّ هاوية

صور المفارقة في عالم ينهض من هاويته 

 عبد الجبار الغراز

         عن منشورات بيت الشعر في المغرب، صدر للشاعر المغربي عبد اللطيف الوراري، ديوانه الخامس تحت عنوان: «من عُلوّ هاوية». يمزج الشاعر في هذا الديوان الذي اشتمل على تسع وعشرين قصيدة توزعت على 112 صفحة، ما بين الحلم المجنح المحلق في الأعالي وبين الرؤية المفارقة. في تلك القصائد، ثمّة أرض ولدت المفارقات.. أرض أحلام غير مكتملة الملامح. وهي، بهذا المعنى، تأملات من أعلى تصف لنا، بنوع من المرارة الممزوجة بالسخرية، مفارقات زمن يتهاوى، فولّد عالما من الأنقاض والخرائب. وقد أراد الشاعر، بفعل السرد وتواتر الإيقاعات المختلفة لزمن القصيدة، أن يكون شاهدا برؤيته الشاعرية على هذا التهاوي الذي تعددت أفعاله بتعدد وضعيات السقوط.

       سنحاول هنا أن نقدم قراءة تحليلية لبعض متواليات الديوان، آملين أن نلامس متخيّل الشاعر ونقارب فيها بعض الوضعيات الوجودية التي أتى على الغوص فيها.

  1. صور المفارقة:

      ابتداءً من القصيدة المفتتح "آنست باباً"، سعى الشاعر عبد اللطيف الوراري إلى إضفاء البعد الرمزي لمفهوم "الباب" باعتباره دلالة على مدخل، مقدمة، فتح، انفتاح، بنية ثاوية لعلاقة داخل/ خارج. أما على مستوى المضمون، فالقصيدة هي بمثابة استكشاف أليغوري لمنحنيات هذا التهاوي ومتجلياته التي تتلون بتلاوين إيقاعات الزمن النفسي للشاعر، ذلك الزمن الذي لا هو بزمن ماضوي ما يفتأ يمضي حتى تغدو القصيدة استرجاعا للحظات هاربة تمسك بخيوطها الحريرية الرفيعة غنائيات مبحوحة، ولا هو بزمن يتماهى عبر لحظات تنفلت من سلطة الحكي والأوصاف الشاعرية الأخاذة التي تجعل من الهارب المنفلت أجسادا هلامية طرية قابلة للاستهلاك اللحظوي الفاني والمندثر.

  ولكن هذا الزمن بالأحرى هو البؤرة الذي تتوالد فيه المعاني وتتناسل، مما يسمح للذات الشاعرة أن تستردّ هويتها، بل تبتكرها؛ إذ هي بلورية الملامح والشكل، متشظية الدواخل والكوامن، فيما هي تتجاوب مع وشوشات الطائر الطيني، أو همسات جرة معلقة على حائط آيل للانهيار.

       لنقل إنّ قصيدة "آنست باباً"، إذن، هي سفر نحو الداخل/ العمر، مبتدؤها هو الباب/ الشاهدة، وخبرها ومنتهاها هو الباب/ الوديعة . يقول الشاعر: "آنست باباً/ كان شاهدة،/ وكان وديعةً/ من أربعين صدىً ونيِّفْ/ الباب أسمعه هناك بداخلي/ من وشوشات الطائر الطيني إذ ولّى/ ولم يعزف رؤى قلبي، فأعرفْ" (ص8).

      هذا الداخل/ العمر فيما مضى وصار إليه، لا ينكشف إلا بفعل حاسة رهيفة تقتحم البواطن وتلتقط تجاويفها المتراكبة، كأنما هو يبحث عن فردوس لطفولة خارجة لتوها من رحم الغياب، أو عن ظلّ/ عمر قصير قُدِّر بمسافة لوحتين. كل ذلك يحدث وفق ثرثرة ذات مفردات لغوية اعتمدت صيغة التكرار الممزوج بصيغ تتكئ إلى ماض سحيق، وأخرى تتوق إلى حاضر منفلت من عقال الحضور، باعتبار أن هذا الأخير يعكس مثولا مادّيا صرفا للذات الشاعرة (أسمع، أصيخ). يقول الشاعر: "سمعت نواح طفل خارجا للتو من رحم الغياب، / وفي مسافة لوحتين سمعت ظلي./ هكذا ثرثرت عمراً إذ سمعت".

      لا تنغلق، كما الأبواب الفيزيقية، الباب/ الشاهدة، بل تبقى في "أنسنتها" التي أضفتها عليها الذات المتلفظة، حلما محلقا في دنيا الدواخل. ففعل "آنس"، لغويّاً، يعني أشياء عديدة ومختلفة: لاطف، أزال الوحشة، رأى، شاهد. كما قد يوحي في القول الظاهر بـ"الأنس" كنتاج لفعل آخر: "المؤانسة". لكن  في القول الباطن الخفي يوحي بـ"الأنسنة" التي هي نتاج لفعل الكينونة الإنسانية. بانفتاح الباب/ الشاهدة تتكشف الباب/ الوديعة تعبيراً عن كينونة الذات الشاعرة في سفرها وائتمانها على رؤى محملة بالقلق وأصوات من البعيد وأشياء من ماضي الشخصية: صوت خطى متتالية، وقع أقدام، سعال، طرق باب، سريرة الأعشاب، وجه الأب، بروق العش، سعلة النايات. يقول الشاعر في هذا الصدد:

 "ماذا داخل الأحلام يحصل لي ؟/ ألا فتحت بابك أيها النسيان./ واستدعيتني لسريرة الأعشاب/ تطلع من بروق العش؟/ بي جوع إلى النجمات/ تمسح تحت ضوء الشمع وجه أبي،/ إلى الزيزان عند الفجر مثل أذى الجمال./ كهذه البئر استعارت سعلة النايات / يذوي الاسم، يا عبد اللطيف، كأيّ صَوْتْ" (ص9).

   يوحي هذا المقطع وغيره داخل الديوان، بجدلية ما تتوتر أبرز صورها في ما بين الموت والحياة، بين الغياب والحضور، فيتحول حضور الذات من صيغة ماهوية هوياتية عادية إلى صيغة وجودية  فلسفية مفارقة تشي بالتبدل الذي لا ينتهي.

  وفي الأعمّ، يشكل عنوان القصيدة عصبها وجوهرها، وهذا المبدأ ينطبق على قصيدة "نسب" (ص11 – 12) التي أريد لها، انطلاقا من دلاليتها، أن تجعل من الذات الشاعرة امتداداً لخط نسبي للشعر و للشعراء، إذ لا تتخذ القرابة هنا شكل امتداد لخطوط نسب دموية عصبوية، بل تتخذ  شكل انتساب معنوي لأرض طالما غذى جذورها الشعراء بمهجتهم وأحاسيسهم الصادقة ونبل رسالتهم التي تحملها متون قصائدهم. والحديث عن النسب حديث عن الجذور والأصول والفروع، كما أنه حديث عن البنيات وما تتخللها من علاقات. فلا يستحق الشاعر أن يكون منتسباً إلى البيت الشعري إلا إذا كان سليل دوحته وتخللت لسانه الندبات.

  في هذه القصيدة يصور مشهداً دراميّاً تبدت فيه القصيدة الحالية في مورفولوجيتها وكأنها جسد بلا روح. فـ"بلد الغزلان" هي إحالة رمزية على أرض الشعر المعطاء. فالغزالة كائن طبيعي يرمز إلى البراءة ونقاء السريرة، عدا سرعة البديهة. تشيد الذات الشاعرة، هذه المرة عن طريق صيغة الحضور (ضمير المتكلم الجمع) بتاريخ شعرائها الأفذاذ الحافل بالعطاء. وفي خضمّ المشهد تبدو الشجرة رديفة الحياة توحي بعكس دلالتها الرمزية، ويتحول حفيف أوراقها إلى أناشيد باردة عند اصطفافها بـ "شارع الآلام"، لأشباه شعراء لا يحملون من الشعر سوى اسمه، مأجورين يقتاتون من دم المآسي والويلات التي تحدث للناس. يقول الشاعر : " وجدنا الأشجار وصلت قبلنا / بلد الغزلان / منذ هذا التاريخ أسمعتنا الأغصان / الأناشيد الباردة لمياومين إنسانيين / ثم تراخت عن اللازمة / بعد أن اصطفت بشارع الآلام . / كنت أقف ساعات لأقرأ / على الطين المفخور / نشيد الأظلاف ، / و أحيانا أتهجى الله . / و لولا ندبة الشعر / على لساني / لكفرت بي الأجنحة ، / و مالت على الأبد / شجرة بأقلام السماق / بين شاهدتين . "

   وفي قصيدة "من يصدق الحبكة؟" ( ص 13 – 14 )  حيث يتشظى كل شيء، وحيث يبدو هناك في الأفق البعيد ما يتهاوى، تعيش الذات أروع تجلياتها المصيرية وتعكس من خلال تقنية المرآة تصدعات كينونتها. وحدها الشفافية (الزجاج) إلى جانب صدق الإحساس (بكاء الشاعر) يرسمان نقاوتهما؛ حبكتهما الحقيقية بعيداً عن "قصص العافية". يقول الشاعر:

"يحصلُ أنْ يتصدَّعَ/ كلُّ شيْءٍ في المِرْآة/ إلَّا الزُّجاج؛/ إلَّا حين أَبْكي./ لهذه الغاية،/ كنْتُ أَفْركُ أصابعي/ وأتوهَّمُ أن غيري من صنع (الصودا)/ في قعر قصص العافية" (ص13)

     كما أن الشاعر يكشف عن معانقة الذات صحبة ذوات أخرى، لعدميتها وغربتها وسط أهلها وذويها، وهي تواجه في يأس مقيت سلطة الأوهام القاتلة، الأوهام التي أتت على الأخضر واليابس وضيقت الخناق. فقد وظف في قصيدة "لي حصّة هواء"، الهواء المالح أحد نواتج هذه السلطة ورمز الشاعر إليه بديمومة السائد، حتى يصور فجيعة مشهد السقوط وكيف تهاوت من خلاله القيم الإنسانية النبيلة. وعليه، طغت على القصيدة مسحة تعبير صادق وحزين تعبيراً عن انهدام صرح إنساني جرفته سيول هذه الأوهام، وأفقدته بالتالي كل معاني الحيوية والحركية المولدة لحياة الصفاء والنقاء، ورمت بأحجاره  التي بني بها من قبل الأجداد و الأسلاف، خارج التاريخ. يقول الشاعر:

      "لم أشأْ أن أقول شَيْئًا / فَالْهَواءُ المالِحُ وَحْدهُ/ على الأَرْصفة وأَسْماء الفِراق/  يَرْوي لي مع غُرَباء مِثْلي/ عن سُيولٍ جرفَتِ البريق من العيون،/ ورمَتْ بِالأَحْجار جانبَ القِصَّة/ لإيهام مَنْ في مثل خَطْوي بِما حَدَث" (ص15).

       لنقل إن القصيدة ليست مجرد شاهدة تكتمل ملامحها بهذا البيان السوداوي المصور لمشهد السقوط، ولا محاكاة له في تدرجاتها الدرامية، ولا تصويراً آليّاً لمشهد براني تكتمل دائرته باكتمال الوصف وبراعته، بل ارتفعت، عبر مختلف تلاوينها السردية والوصفية وإيقاعاتها المختلفة وصورها الشعرية، إلى أن تكون تجسيداً لأليغوريا الضياع، ضياع المعنى وضياع التاريخ. ومثلما الأنبياء، فإن للشعراء بدورهم رؤى خاصة، "حصص هواء" وهوامش حرية للقول والشهادة على زمن ضائع.

       وقد تفاعلت رؤى الشاعر الإشراقية مع هذه السكونية الآتية بعد فعل الانهدام، فتولدت جراء ذلك التفاعل تساميات Sublimations (بالونات هواء تحت الأسمال، أقواس قزح، العصا كأعلى الظلال، حصة الملاك ) تماهت مع لحظات لامست الجنون، و توسلت من قصيدة طرفة بن العبد دفقة فلسفية لملمت أجزاء ما تبقى من صور حياة منهدمة الأركان. ففي خضم هذه الكارثة وهولها، حيث سادت سرمدية مخيفة داخل زمن يعزف لحن الانهيار والسقوط  بإيقاع يتلون بألوان العبث مرة و السخرية مرة أخرى، وداخل مكان موحش لا موطئ قدم آمن فيه، يأخذ معنى العُلوّ شكلا مغايرا لطبيعته في تقابله مع المنحدر، ليأخذ شكل رحم الانعتاق والخلاص. يقول الشاعر: "كان يكفي بَالُونات هَواء/ أنوءُ بها تحت أَسْمالي/ لأَسْمع كلَّ أَصْوات العصر./ كان يكفيها أنْ تطيرَ بي/ وتصير قَوْس قُزَح بِلا تُهْمة الدَّم،/ فَالْعَصا- وهي أَعْلى الظِّلال/ وَشْوشَتْ لي بِحصَّة الْمَلاك" (ص16).

2. الشعر السيرذاتي أو لعبة الخيالي والحقيقي:

      ويتيح للأنا أن تبني سيرتها الذاتية من جديد. ثمة عودة إلى الماضي، ولكنها ليست عودة تنقطع فيما مضى، بل تصل هذا الذي مضى بما صار. وهذا ما يجعل هوية الأنا تتبلور بإشارات وملفوظات تقوي نزوع السيرة المتخيلة في مجمل نصوص الديوان، بحيث لا تحيل هذا المرجعي على المرجعي إلا بمقدار ما تقوّضه وتجعله ينزلق في سلسلة من الدوال لا تنتهي.

   فمثلاً، شحن الشاعر نص قصيدة " الذبيحة" ( ص 17 – 18 ) بطاقات دلالية جعلت مهمتنا في تفسير متنه عسيرة إلى حد ما، لأنها - والحقيقة تقال- تزخر بالثراء الدلالي والتنويع الأسلوبي. وقد كان سبيلنا إلى فهم النص واقتناص المعنى المحايث له واختراق مجاله اللفظي هو تأويله. ولن يتحقق ذلك إلا عبر مخالطته مخالطة وجدانية و معايشته معايشة إنسانية، كما يقول بول ريكور.

   وبناء عليه، يمكن القول إنه في خضم معترك الحياة، وفي ارتباطها مع الآخر، تجد الذات نفسها منغمسة في الوجود الزائف كما يقول هيدجر، فييفقدها ذلك الوضع موجوديتها الخاصة والأصيلة. و هذا ما حاول الشاعر أن يبرزه لنا في قصيدة "الذبيحة"، إذ جعل من الطفولة، ذلك الفردوس المفقود، تعبيراً عن تلك الموجودية بموحياتها الكثيرة. فهو سعى إلى تشكيل بناء رمزي لعبت فيه لفظة "النهار" دورا مركزيا، ولعبت باقي الألفاظ الأخرى الدالة (قطع الغيار، الريح، رائحة الصمغ، السنديانات، الموت، الغزالة، الرمل، الذكريات) دور الحواشي والهوامش.

    لقد كف "النهار" هنا أن يكون مجرد استضاءة لمثولية عابرة للذات أمام نفسها وأمام العالم ، ليصبح أداة عودة / انتقال من وجود منغلق إلى آخر حركي منفتح على بقية الموجودات الأخرى المشروطة بالإنسان ككينونة حرة مندمجة مع تلك الموجودات ومهمومة بما تحمله من أعباء و أثقال. ففي سياق العودة من النهار ومسابقة الريح والدخول في زمن القصيدة/ الذبيحة، والارتماء في أحضان الطفولة  لاستكناه مكنوناتها ومعانقة فضاءاتها التي تعج بالذكريات المنسية، يتراجع الوجود الزائف وينكشف الوجود الحقيقي. يقول الشاعر: "عُدْتُ لتوّي مِن النَّهار/ مُحمَّلًا بقطع الغيار/ لريحٍ نَسِيَتْها الذِّكْريات/ قُرْبَ الغد".

      لا تحاكي الذات الشاعرة وجودها  في معانقتها لعالم الطفولة، ولا تجانسه، لأنها ليست مجرد صانعة للمحاكاة، بل هي، في اقتفائها أثر العلو (السنديانات) بحروف مضمخة برائحة الصمغ، تكون قد طبعت على جبين الطفولة زمنيتها الأبدية. و حتى لا تتهرب هذه الذات من نفسها، أو تطمئن إلى أوهامها، وتنسى بفعل ذلك كينونتها وتنشغل عنها، ينبغي أن تتخلص  بمعية الغزالة وبواسطة القصيدة/ الذبيحة، من الشعور بالقلق وتواجه الخوف من الموت. يقول الشاعر:

     "بِرائحة الصّمْغ أقْتفي/ أثرَ السّنْديانات،/ ومن بعيدٍ أرقبُ المَوْت/ حَتَّى وصلْت./ كانت الغزالةُ مَعي/  تركضُ مِن النَّدَم/ لأنّ شاعرًا سيُودِعها/ كلَّ آهات الرِّبابة،/ وَمَعًا سَيَبْكِيان/ كلَّما في أَوَّل اللَّيْل/ هَبَّتِ الرِّيح/ بِالرَّمْل والذِّكْريات" (ص17).

     وفي مكان آخر، يقول: "إن لا يديم قلق الكتابة إلا بذرة النقصان التي تحملها كل قصيدة بعد اكتمال ملامحها". فالقصيدة، بالنسبة إليه، تغرف من معين لا ينضب من الشقاء والحزن اللذين يزودان الشاعر بالطاقة الروحية اللازمة والقوة المعنوية للاستمرار في الكتابة. وهذه الدفقة التي تفيض إنسانية وتعبر عما هو شخصي نلمسه في أكثر من نص، وبالأخص في قصيدة "عازف الذكريات"، فهي تصور لنا كيف يصبح الارتباط بهموم الناس وقضاياهم، كشرط إنساني وضرورة تتغذى عليه. فالشاعر في هذا الصدد يعتبر عازفاً للذكريات ومداوياً جراحات وآلام الناس، ومقتعداً عثرات الذين مروا من المسالك الوعرة المليئة بالأشواق الممزوجة بالحسرات الأحزان والمآسي. يقول: "بعد أنْ تتورَّم رِجْـلايَ/ من سِيرَة الشَّوْك/ أَقْتعدُ العَثَرات/ وَظَهْري إلى الأَمْس/ مِمَّا جَرى/ عازِفاَ لِلّذين يَمرُّون/ مُنْذ الصَّباح/ أَغاني الْوَديعةِ والشَّيْب" (ص28).

       لكن كُتِبَ للشاعر أن يعزف هذه الأغاني الحياتية الجميلة والحزينة (أغاني الوديعة والشيب) عزفا منفردا: فلا أحد يفرح لفرحه كما يفرح هو لفرحهم ولا أحد يحزن لحزنه كما يفعل هو أوقات شدائدهم. فالعواطف لا توصف بالمشتركة إلا إذا كانت الدقات على أبواب القلوب مؤشرات حسية ومعنوية دالة على نبعها الفياض. فإذا ما جف رحيق الحب والمحبة في هذه الأخيرة، فسوف تتآكل كما تتآكل بفعل الرياح الأصص التي لا تستنبت. يقول: "يَسْألُني بعضُهُمْ عن/ أَصيص الْعَواطِف/ إذْ تتأكَّلُ في الرِّيح./ آخَرُ يَهْزأُ من دَفَّتيْنِ/ على بابِ قَلْبي". فلا يبقى أن نلمح، في الأخير، سوى ظل الشاعر، ذلك الشبح الذي يستحق أن يغنى له عندما يتجاوب الغروب مع الاغتراب.

   وتدفعنا قصيدة أخرى مختلفة، هي "شذرات من سيرة غير ذاتية"، إلى التأمل في تجارب حياتية معيشية مصاغة في شكل شذرات يرسم فيها الشاعر مجموعة من ومضات حياتية رمزية ويطلب منا إعادة رسمها لنعايشها من جديد. ومن بين تلك الومضات الحياتية نجد تلك الشذرة التي تشكل تناصّاً مع طفولة النبي موسى، حيث تختلط الحقائق و تتماوج  لترتطم بالقارب/ المهد الذي يرسو على الارض/ الجذور، لكن الحقائق، كما يقول نيتشه، هي في أصلها أوهام نسي الإنسان بفعل التقادم وبفعل اللغة والاستعارة أنها كذلك. يقول الشاعر: "بعد أن هرَّبوني رَضيعًا،/ وارتطمَتْ بِقاربي أنباءُ الغيب،/ ووصلْتُ بِأُعْجوبةٍ إلى امرأتي العزيزة،/ جاؤوا يثأرون لي من لُغَويٍّ مُبين".

      أو تلك الشذرة التي تصور الذات الشاعرة وهي تسترجع بصيغة التذكر طفولتها المتعثرة بسبب الحنين الذي يشدها إلى فردوسها المفقود. يقول: "لا أتذكّرهُ في مشيته إلَّا بالكاد،/ وأكاد أَجْزمُ أنَّه طافَ ليرى أباه./ ذلك الطِّفْل الذي كانَــني/ خانَ ظنِّي به وهو يتعثَّرُ بالحنين" (ص91).

      أو تلك الشذرة التي تصور حكي الأجداد وقد اتخذ شكل ديمومة في الوجود. يقول: "حكى لي جَدِّي أنْ لا تنحني./ إِذا حلَّ الشتاء رأيْتُهُ،/ منذ الفجر،/ يَبْذرُ الحبكة في تَوالي البَرْق".

      أو تلك الشذرة التي تقرر أن للإنسان ، مثله مثل الكائنات الطبيعية الأخرى، كتاب أسرار لا ينفتح إلا بالحوار الأبدي الذي تباركه الطبيعة البشرية. يقول: "أَسْمعُ الحفيف مُذْ وَضَعْتُ رأسي على الأرض. / لَيْتَ الرِّيحَ تثِقُ بي/ فإنِّي مثلك أيّتُها الأغصان/ لي كِتابُ أَسْرار!" (ص92).

      وقد يتخذ هذا الحوار الأبدي بين الكائنات شكل جدلية فيها أخذ وعطاء، إقبال وإحجام، نفي وإثبات، كما في هذه الشذرة: "أيُّها البحر،/ هل تسمعُ مثلي/ كيف تتأوَّهُ الأمواج/ في لعبة المدّ والجزر؟"  (ص93)

3 . على سبيل الختم:

       يمكن القول، بعد تحليل بعض متواليات ديوان "من علو هاوية"، إن هذه القراءة التي قدمناها هي مقاربة تاويلية عبر الانفتاح على الممكن الشعري الذي أطرته قصائد هذا الديوان، بشكل يلامس متخيل الشاعر، ولكنه يسعى إلى تجاوز حدوده ليعيد إنتاجه في صور جديدة مبدعة لعوالم تجاور أو تتاخم أو تحايث تلك العوالم الإنسانية التي يبنيها الشاعر. فالمعيش لا يمكن إعادة زمنيته إلا بالسرد عن طريق استدعائه من طرف متخيل الشاعر وصياغته في شكل حبكة لا تحتكم إلا لشروط انوجادها كقصة حياة كما يقول بول ريكور في كتابه (الزمان والسرد). فقصائد هذا الديوان، حتى وإن بدت في ظاهرها سلسلة ذات حلقات مختلفة ومتنوعة على مستوى التيمات، لكنها في العمق متجانسة على مستوى نفسها الذي يتغذى على دفقة روحية شاعرية تربط الخاص بالعام، والذاتي بالموضوعي. ذلك أن الشعر يتماهى مع غريزة الحياة التي تدفعنا إلى التجدد الذاتي ولا تتركنا نسقط في مهاوي اليأس والموت، بالرغم من سنوات عمرنا التي تعادل صيرورة مفتوحة على المجهول.

تحميل الديوان

من علوّ هاويةمن علوّ هاوية

التعديل الأخير تم: 01/04/2021