محمد الميموني

 

الحالم في زمن الأوهام

 

 

801487info2223201233503pm1

    يجمع الدارسون على أنّ الشاعر محمد الميموني (1936-2017) من رعيل الحداثة الشعرية الأول والمؤسِّس، إذ بدأ مغامرة كتابة القصيدة وتحديثها منذ سنة 1958؛ فهو من القلّة الهائلة داخل شعراء الستينيات، التي استطاعت أن تضع الشعر المغربي، بعد أن كان نِسْياً مَنْسيّاً، في طليعة الشعر العربي خاصة، والإنساني عامة. عندما سألته عما بقي من هذا الجيل الستيني المؤسس، قال: "أهم ما بقي منه جرأته على اقتحام تجارب تستند أوّلًا إلى المواهب والعصامية وحب المعرفة والقراءات الكثيفة بصمت وتواضع وإصرار. إذا حسبتني أحد أفراد هذا الجيل أضيف أنني، منذ غامرت بنشر إحدى محاولاتي في بحر الخمسينيات، لم أسع قط إلى شهرة ولا مغنم، بل كان دافعي الوحيد هو حب الشعر والبحث عن جديده والمساهمة في الملحمة النضالية التي كان المثقفون يخوضونها، إذ كانت الكتابة وسيلة نضال ومقاومة لا تنفصل عن النضال السياسي المباشر".

  وتبعاً لما راكمه من تجربة مخصوصة في الرؤية إلى الذات والطبيعة والعالم، وللتاريخ الثقافي والرمزي الذي تفاعل معه الشاعر واقترب منه وجسّده شعراً، أو لحياته التي عاشها في القصيدة ونذر فكره وحواسّه لندائها اللانهائي، يحقُّ لنا أن نتحدث عن إحدى التجارب الشعرية الأساسية بما يفرضه هذا مفهوم التجربة من وعي عميق بالحالة الإنسانية، الداخلية والشعورية، التي عاركها الشاعر وعبّر عنها بصدق وحرية.

  وقد كان ديوانه الأول "آخر أعوام العقم" (1974) من المجاميع الشعرية الأولى في متن الشعر الحديث، وأبرز ما كان يميزه هو الوعي الحادّ والمبكِّر بالعالم الذي يكتبه الأنا الشعري بدون أن تسقط في شراك الإيديولوجيا الصارخة التي كانت متفشِّية وقتئذٍ، لدواعٍ ساسية وسوسيوثقافية، في كتابات أبناء جيله من الروّاد. عدا أنه يمكن أن نلمح في الديوان انفتاحه على تقنيّاتٍ جديدة في الكتابة الشعرية، من بينها استخدام الرمز، والمونتاج، والتفضئة، والحوار والتبئير؛ ولولا هذه التقنيات لكانت برزت نبرة الاحتجاج والخطابة على شعره.

    يسوق محمد الميموني نصوص الديوان في شكل محكيّاتٍ تطفح بالذات التي لم تسلم رؤيتها الحادة من ضغط زمنيّتها، كما نكتشف ذلك ابتداءً من القصيدة الافتتاحية "حكاية من جزيرة الدخان"، حيث أنا الشاعر يشعر بتصدُّعه، وينمُّ عن تخاريمه بقدرما ينوء بهمّ الإنسان في مواجهة السلطة والمسخ حيناً، وتنتصر للشهادة والاستشهاد بالجسد والكلمة من أجل استمرار الحياة حيناً آخر، وإنْ لاح مشوباً بمسحة شفيفةٍ من اليأس واللاجدوى، وأخرى كثيفة كما في القصيدة التي يختم بها المجموعة، الموسومة بـ"توقيع بالأسود على الصفحة الأخيرة".

  إنّ بناء القصيدة بين مسرحتها وتبئيرها وتمثيلها أليغوريّاً في الحكاية والرمز والتاريخ الجمعي، يجعل الصوت الشعري لدى محمد الميموني بمنأى أن يقع أسير الإيديولوجيا وخطابها الضاغط والمباشر كما حصل لمجايلين له تأثّروا ببرنامج الحزب وأدبياته الواقعية والاشتركية التي كانت تُكرِّس في الأدب تبعية الثقافي للسياسي. لكن الديوان، مع ذلك، كان يتنفّس زمنه وشرطه التاريخي، فنصوصه التي تمتدُّ لعقْدٍ من الزمن (1963-1974) تُقدِّم لنا، من خلال طرائق بنائها، خليطاً من الرومانسي والرمزي، الشعري والسردي، الفردي والجمعي، بقدرما يمتزج فيها العمودي بالتفعيلي، والغنائي بالدرامي-البوليفوني. لقد كان الأمر، في الحقيقة، بحثاً عن المختلف والمحلوم به في الشِّعر وعبره، وداخل التجربة التي يشقّ أخاديدها الشاعر نفسه.

  هكذا نعثر في ديوان "آخر أعوام العقم" على ما يمكن أن نسميه بـ"استئناف الوعد"، وعد اللغة ومعنى الذات. هذا الوعد الذي لم يطل، نعثر عليه في ديوانه الثاني المعنون بـ "الحلم في زمن الوهم" (1992)، لكن ليس العمل كلّه، وإنّما في نصوص المتوالية الأولى التي تحمل عنوان الديوان نفسه، وفي بعض قصائد المتوالية الثالثة، فيما نصوص المتوالية الوسطى، أي "قصائد سائبة"، تنتمي مرجعيّاً وجماليّاً إلى تجربة "آخر أعوام العقم"؛ كأنّما الأمر، هنا، يعكس اصطراع الوعي الكتابي عند الشاعر إذ يقف بين زمنين، وبين مقترحين جماليّين، وبين شكلين من بناء الذات وتنظيمها خطابها، إلا أنّ القصائد الجديدة تُمثِّل، فيما يبدو، بداية تشكُّل التجربة الخاصة بشعر محمد الميموني، ففيها نعثر على وعيٍ جماليٍّ جديد ليس داخل تجربة الشاعر نفسه، بل داخل تجربة الشعر المغربي الحديث والمعاصر برمّته.

  إن التذرُّع بالحلم، أو اتخاذ الحلم كذريعة، يُمثِّل صلب هذا الوعي الجمالي وعصبه المتوتِّر، فهو يُفكِّك مسلَّمات لغة الإيديولوجيا التي كانت تحتمي بها أنا الشاعر، ويعيد بناءها وقف منطق اللعب اللغوي والكنائي الذي يتسلّى مع النسق بقدرما يُفجِّره من الداخل. حفز الذات على الحلم يشكِّل بالنسبة إليها مشروع تخطٍّ أو تجاوز لزمن الوهم الذي تعالت فيه الحُجُب والأدخنة، بقدر ما يُشكِّل استعادةً للبعيد والمحلوم به والهاجع في لاوعي الطفل الذي كانه الشاعر، إذ تتمُّ عموديّاً، ومن الصميم.

إنّ تيمة الماء في الديوان، مثله مثل الضوء؛ هو وَخْزٌ لوعي الأنا الحاضر، هنا والآن. إنّه تساؤُلٌ عن الغياب وفيه، إذ تسعى الذات إلى الملتمع من بعيد، والمتلفّت منها باستمرار، فيزداد ظمؤُها إليه في المابين، حيث "المسافة بينهما غابة من حديد" كما في نصّ "ذاكرة الماء". وعبر رموز الطبيعة الحية والمتقلّبة (الريح، البحر، النجوم، الليل، الخريف..)، وتمثُّلات القناع التاريخي والديني (سفينة نوح، قصة يوسف، السندباد، حي بن يقظان..)، يعمل أنا الشاعر على تكثيف هذا الوعي الحادّ والمصطرع داخل تجربة الحدود أو، بعبارة الشاعر نفسه، داخل "المتاهة التي تُبدئ في كُلّ منعطفٍ وتُعيد"، بين وعي الأنا بتصدُّعها واغترابها في زمنها، وبين أن تغيب في "حضرة الحلم"، أو في "ضفّة الحلم" حيث "الغريبُ المسافرُ يأوي إلى حرم البحر كلّ مساء".

  عبر الحلم واتخاذه ذريعةً في الكتابة، بوصفه كشفاً وانكشافاً للغة، ثُمّ تجاوزاً لوعي الأنا بالحاضر، يتجلى لنا تصوُّر الشاعر للقصيدة، القصيدة- الحلم، القصيدة التي لا تنتهي إذ هي على الدوام في "رحلة كشف"، مُبْحرةً في "مسلّة الكلمات"، وباعثةً لأشواق الأنا وإشراقاته.  

   لقد شكّل ديوان "الحلم في زمن الوهم" علامةً فارقةً، أو برزخاً بين مرحلتين حاسمتين:

 أ ـ مرحلة التأثُّر الإيديولوجي من غير استغراق ولا تشبُّع؛

 ب ـ مرحلة اصطراع الوعي الجمالي للتجربة بين مقترحين؛

 ج ـ المرحلة الإشراقية حيث ترتفع أنا الشاعر بأشواقها وأحلامها وتجاربها، داخل متاهة التأويل والكشف والانخطاف، إلى مرتبة "اليوتوبيا". يوتوبيا الأنا. وهذه المرحلة هي الأعمق والأصفى التي استقرّ عليها الحلم ونوّع عليها كتابيّاً، وحدّدت المسار الذي ستشقُّه تجربة القصيدة عند محمد الميموني كما نكتشفه ابتداءً من ديوان "طريق النهر" (1995)، إذ نحا الشاعر بالتجربة إلى مستوى الأسطورة الشخصية، ثم  تأكد ذلك أكثر في دواوينه المتأخرة؛ مثل: "ما ألمحه وأنساه" (2000) و"موشحات حزن متفائل" (2008)، وانتهاء بـ"رسائل الأبيض المتمرد" (2013).

التعديل الأخير تم: 30/03/2018