مليكة العاصمي

 

الشعر بوصفه فنًّا يحرض على العصيان

Assimi

في المغرب، بسببٍ من الغياب الطويل الذي تُكرّسه كتب الأدب والتاريخ عنها لأسباب دينية واجتماعية ونفسية تحكّمت بآليّات الإنتاج الثقافي وسلطتها، لم تُثْبت المرأة حضورها كشاعرة إلا منذ عهدٍ قريب، بعد أن صُودر صوتها في ميدان الشعر، ولم تكن بالنسبة إليه إلّا موضوعًا، أو مجرد منشدة أو راوية له في مجالس السماع والإنشاد والأندية الأدبية، التي ازدهرت خلال العصرين الموحدي والمريني تمثيلًا. ولم تظهر أول مجموعة شعرية نسائية إلا في أواسط السبعينيات من القرن العشرين، غير أن صدور ديوان: «كتابات خارج أسوار العالم» لمليكة العاصمي عام 1987، كان بمثابة تدشين متن شعري مختلف تتكلّمه أنا نسويّة انطلاقاً من الجسد في اختلافيّته، ومن الانهمام بالجسد بوصفه يعكس بحثاً عن معنى ما، أو عن قيمة ما، غالبًا ما يكونان من لدن الأنا في موضع اشتهاء وتوق. وإذا استعرنا عبارة من قصيدة للشاعر العراقي عبد الوهاب البياتي مهداة إلى مليكة العاصمي، فإنّ الشاعرة قد «افتضَّتْ ختم الشعر» وأمكنها أن تفكّ قيود القهر الذكوري وتجهر بالشعر. فتحت مليكة العاصمي عينيها على نور مراكش وتشرّبت سحرها وبهجتها وحدائق شعرها، وتفتّحت قريحتها على سجل عائلتها ومحتدها الوطنيّ، وعلى واقع سياسي مضطرب، وهو ما ساهم في تشكُّل وعيها بالكتابة مُبكّراً. تقول مليكة: «بدأت مبكّراً في الكتابة وفي النشر منذ أواسط الستينيات واشتهرت منذئذ». جنباً إلى جنب «مع رواد القصيدة المغربــــــية، وانخرطت معهم في اهتماماتهم ونضالاتهم، بل بنيت تحت أعينهم مشروعاً نقديًّا لمتابعة ديوان الشعر المغربي منذ أول إطلالاته». غير أن النقد «التجييلي» ـ كما تنعته- ظلمها؛ إذ تقول: «الذي صنفني في السبعينيات هو المحو. المرأة مقصية من التاريخ، وهي مثلبة في التاريخ وفي المؤرخين وليس في النساء». وتستطرد: «فأنا لا أعرف حقا ما قادني للشعر، وعندما أكتب أصدر عن نوع من التلقائية والحرقة، أطرح من خلالها مكابدات محيط يئن تحت وطأة أزماته. ربما يكون سبب تميُّزي التصاق شعري بحياة الناس ومشكلات مجتمعنا المغربي العربي والمجتمع الإنساني، ومعاناة فئاته وشرائحه المختلفة. لقد تناول شعري حياة النساء والأطفال والفقراء والكادحين والمنحرفين والمناضلين والسياسيين وغيرها، وتناول قضاياهم من الداخل، وفي عمقها وجذورها، وهاجم الحكام في سنوات الرصاص، وناصر الثورات، وخاض معارك الأوضاع العربية العامة والدولية. عاش مع التحولات التاريخية المعاصرة وفي قلبها، كما نفث شكاوى النساء ومظالمهن التي لا تحدّ». لهذا السبب، يفهم لماذا جسدت مليكة العاصمي ابتداءً من ديوانها «كتابات خارج أسوار العالم»(1987)، وفي الذي أتى بعده «أصوات حنجرة ميتة» (1988)، ارتباط تجربتها الشعرية بمشاغل فكرها السياسي والنضالي، الذي أملى على أناها المتمرّدة والمُحرِّضة أن تُجابه السلطة وتصرخ في وجه الواقع وتكلُّسه وخذلانه. وتنتمي نصوص الديوانين إلى مشاريع الشعر الأولى لأواسط الستينيات وأوائل السبعينيات، وتحمل في داخلها ـ بوعي ووعد في آن- كلّ عناصر بدايات الخوض في الشرط الثقافي أولًا، والشعري ثانيًا، قبل أن تتبلور تجربة القصيدة وتنطبع عليها آثار «الدراما المغربية» وأصوات العصر ووضع المرأة فيه. وشيئاً فشيئاً تعلم الشعر من هذا وذاك، قبل أن ينصرف الشعر إلى الشعر، إلى سياسة الشعر نفسه، ابتداءً من ديوانها «شيء… له أسماء» (1997) 
مع ما نلمسه من رفض ذات الشاعرة وعدم رضاها عن واقعها واحتجاجها عليه بصوتٍ تطبعه الغنائية المنفعلة والغاضبة، إلا أنها لم تضع بوصلة الأمل واستشرافه من يديها، فقد نقلت قصيدتها إلى شسوع الفضاء الدرامي مُستضاء بعبارات الومض والتكثيف حينًا، والتجريد الرمزي حينًا آخر. وقد تأثر الشرط الإيقاعي بذلك، إذ لم يعد يعنيه امتداد العبارة وزناً وتكراراً وتقفية وحسب، بل امتدادها في تربة الإنساني الهشّ وشغفه بالأسرار، كما في عمليها: «دماء الشمس وبورتريهات لأسماء مؤجَّلة» (2001)، و«كتاب العصف» (2008). ففي مقابل هذه اللغة اللاهبة التي تصل الأنا بأصوات عابرة من التجربة الإنسانية العارمة، وربّما تنويعاً عليها، ثمّة انكفاءٌ على النزوع الفرداني للأنا، الذي يقطع مع الهمّ الجماعي لصالح الصوت المفرد المصيخ إلى دبيب الذات في مختلف تقلُّباتها وحالاتها الشعورية والوجدانية، فيما هو يتلبّس بلبوس التجربة الجوّانية أو الجسدية، ويُحوّل لغته إلى لسان حال يسمو بتجربة التَّوْق الصوفي إلى الاكتمال والفناء بعد معاناته حالات الفقد والغياب، مثلما يحوّلها إلى كوكبةٍ نجوم تتلألأ بأثر الجسد وإشراقاته. من ذاتٍ تتكلّم إلى آخر، لا يمكن أن نفصل ما هو ذاتيّ عما هو جمعي في قصيدتها، ولكن ليس بمعنى أن يذوب أحدهما في الآخر، بل بمعنى أن يكون كلاهما مُخْلصاً للشعر ومتخفّفًا من بلاغة الإيديولوجيا. فقد انتقلنا إلى طور آخر وحاسم من أطوار تجربة مليكة العاصمي الشعرية، وتحديدًا على مستوى الخطاب، بحيث انفتحت على عناصر الدراما متمثّلةً في المونولوج والحوار البوليفوني والتقطيع والتقنُّع، بشكلٍ رقّى من محتوى الصورة الرمزي والإيحائي، بدون أن تنحدر إلى الغموض والتعمية، وكشف عن تحوُّلٍ جذري في الوعي والكينونة والخبرة الإنسانية التي كانت تمتحنها طوال الوقت وطوال الشعر

التعديل الأخير تم: 03/04/2021