محمد خير الدين

::

محمد خير الدين (شاعر وروائي مغربي: 1941-1995)

أو الأمازيغي الذي غنم ضوء الفرنسية

Url 2

   اِحتفاءً برموز الأدب العالمي كمثل خورخي لويس بورخيس ومحمود درويش وناظم حكمت وبابلو نيرودا وسواهم، تُعيد دار غاليمار الفرنسية، في سلسلتها الخاصة بالشعر، نشر ديوان "شمس عنكبوتيّة" لمحمد خير الدين. بذلك تذكِّر محيط قرّائها بهذا الكاتب المغربي، وتُتيح لهم التعرُّف من جديد على أدبه الاستثنائي داخل أزمنة الكتابة. وكتب المفكِّر جان بول ميشال، مسؤول دار William Blake & Co، في مقدّمة الدّيوان عن سيرة خيرالدين وروحه المجنّحة، وكيف أنّ كتابته المتجاوزة لزمنها تُظهره "بطلاً للعزلة بإزّاء الثقافات جميعاً" و"مُحاوِراً لكلّ للُّغات"، ما يجعل من المهمّ العودة إليها واكتشافها مجدّداً. ولم يكتفِ المشرف على الطبعة الجديدة، وهو ما يجب أن نحرص عليه بإزّاء أعمال كتّابٍ آخرين، بإعادة نشر الديوان كما هو في طبعته الأولى الذي ظهرت عن دار سوي عام 1969، بل أعاد ترتيب نصوصه الشعرية تبعاً لمسارها الزمني، وزاد على ذلك بأن افتتحها بمطوّلة "غثيان أسود" المعروفة التي كان الشاعر قد نشرها لأوّل مرة في كرّاس مستقل بلندن 1964، وتتكوّن من خمسة عشر مقطعاً تعبّر، في مجملها، عن شعور حادّ باليأس والتمرد، وحبّ متجذّر للأرض وأهل تربته.

  في ديوان "شمس عنكبوتيّة soleil arashnide "، مًضافاً إليها "غثيان أسود"، نكتشف تفكُّك القصيدة على مستوى الشكل، وذلك من خلال تناوب حاذق للأبيات والوقفات يُترجم بموسيقى الكلمات والجمل الشعرية صراع الشاعر على نحو ما يتجسدن في الصفحة الفارغة. الموسيقى، هنا، تسمح بقهر الخوف. وربّما سمحت لنا ولادة خيرالدين في فضاءٍ جنوبيٍّ معزولٍ أن نتعرَّف داخل "شمس عنكبوتيّة" على كائنٍ يُتلفه النوم ويصرخ في وجه المؤامرة بقرار اتّهام عنيف. المسار شاقّ، لكنّه مُغْرٍ يتطلّب كثيراً من النّفَس، ومن التعرُّف، قبل أن نترسّم خطّ العودة المجروح.الواقع يمَّحـي بالمسخ المدفوع إلى أقصاه، ممّا تبدو معه كائنات "شمس عنكبوتيّة" جميعها كأنّها تعبر يوم النشر. المرجع الوجودي لا يعدم علاماته الكاشفة في هذا السياق، إذا علمنا أنّ الشاعر خرج للتوّ من تجربة «أنفاس» التي لم تكن تتصوَّر الأدب خارج الالتزام. كما المرجع السوريالي لا يعدم نبرته العنيفة التي تترجم في ميكانيكيّاتها الخاصة رغبةً في التحرّر، وتوتُّراً لطبقات الهذيان والحلم، خارج الحدود المرسومة بين الشعري والسردي ومنطق الحبكة وانسجام المعنى. وهو ما نبّه إليه ألان بوسكيه بقوله إنّ مجموعة ("شمس عنكبوتيّة"... مفعمة بجيشان شافٍ، وبحاجةٍ إلى مناهضة كلّ شيء، سواء تعلّقۤ الأمر بالوضوح أم بالمواضعات الخاصّة بالأجناس¬ الأدبيّة). وممّا له دلالة هنا، أن يُؤبّن الشاعر في "رفض الدفن"، أحد نصوص المجموعة الشعرية، رائد السوريالية أندري بريتون عقب موته، بقوله:

"أُحيّي هذا الحصان وهو يَهْوي من أعلى

 أندري بريتون

 مَنْ كانت به القصيدة تتدفّقُ مثل جنّيِية".

  لمّا صدرت "شمس عنكبوتيّة"، لأوّل مرة، وجدت رواية ّأغادير"، التي ظهرت قبل ذلك بعامين، قد مهّدت لها الطريق، بعد أن لا قت حفاوة في أوساط المهتمّين، ونشر موريس نادو في مجلة «الآداب الجديدة» مقتطفات من تلك الرواية الرهيبة التي كتبها خيرالدين في أعقاب الزلزال الذي دمّر المدينة عام 1960. ويمكن القول إنّ موهبته العارمة قد سبقته إلى فرنسا التي قضى بها أهمّ مراحل حياته وأخصبها خيالاً، وإن كان ذلك أتى ممزرجاً بطعم الصعق في منفى اللُّغة والوطن. وعثر، هناك، على رفقته الهائلين: جان بول سارتر، ميشال ليريس، أندري مالرو، صامويل ييكيت، ليوبولد سنغور وإيمي سيزير. ممّن آزروه ووجد فيهم عزاء الكتابة وقوّة جذبها إلى المجهول.

  إلى جانب "شمس عنكبوتيّة"، مجموعته الشعرية الأولى التي مُنحت جائزة الصداقة الفرنسية- العربية، صدر لمحمد خيرالدين في حياته مجموعتان أخريان: "أنا الحامض"(سوي،1970)، و"انبعاث الأزهار البرّية" (الستوكي ـ الرباط،1981)، عدا رواياته: "أغادير" (سوي، 1967)، و"جسم سالب، يليه: قصة إله طيّب"(سوي،1968)، و"النبّاش" (سوي،1973)، و"أسطورة أغونشيش وحياته" (سوي،1984)، وإن كان يصعب أن نجد حدوداً مرسومةً بين الشعري والسردي داخل هذه النصوص العابرة لأزمنة الكتابة، التي أدخلت "رعشة جديدة" في لغة موليير التي أبدع بها أيّما إبداع. لا أمازيغيّة ولا عربيّة.

هل، لهذا السبب، يُحتفى بالكاتب المغربي محمد خير الدين مرّاتٍ، فيما هو بيننا لا يزال مجهولاً وغير مفكَّر فيه. إنّه أغونشيش نفسه، ذلك الذي يغرق في النّوْم، ويصرخ في وجه المؤامرة بقرار اتّهام عنيف !

التعديل الأخير تم: 05/07/2021