Créer un site internet

منير بولعيش

::

منير بولعيش (شاعر مغربي: 1978-2010)

                 أو الشّاعر الذي أنفق ثلاثين سنة يصرخ بالسفن

Url 5

  عندما أتتني مكالمةٌ هاتفيّة من الصديق الشاعر عبد السلام دخان، مساء الإثنين 22 مارس من عام 2010، ليخبرني بأنّ منير بولعيش قد مات، كانت يداي ترتجفان، وحلقي يشرق بغصّة كنصل حادّ. بدت أمام عيني صورة ذلك الشاعر الشابّ، ابن الثانية والثلاثين ربيعاً، والأكثر حيويّة بين جيلنا، تتداعى وهي مُسجّاة بالبرد والغياب. كان ذلك قبل عامين، بعد أن لم يُمْهله داء السرطان الذي أهزل جسمه وأتلف شعره في أيّام عصيبةٍ من حياته، عاشها لوحده وبين قلّة من أصدقائه في مدينته طنجة التي أحبّها وظلّ يتفيّأ ظلالها حتّى مات. لم يمت إلّا كما مات أبناء سلالته  القدامى الذين عاشوا في صمت للشعر والحياة، ولم يستَهْوِهم المال والسلطة، فماتوا منذورين لريح بعيدة. لم تهتمّ المؤسسة الثقافية المغربية المنشغلة بــ(طواحين الهواء) بموت منير، أو هي لا يعنيها من الشعراء من هم على طينة منير، فجاء خبر نعيه من المشرق، من (إيلاف) أوّلاً، ثُمّ من مجلة (الغاوون) البيروتية التي أفردت لرحيله ملفّاً خاصّاً هو بمثابة "وردة على قبره المبكّر".  

  في هذه الساعات الثقيلة التي يُحتفى فيها بالشعر تحت أليافٍ إصطناعيّة، وفي غرف العناية المركّزة يرحل عنّا مني، بصمت. من هنا مرّ، وألقى بحُبٍّ، في هذه البركة الغامقة، قصائده التي طالعها قرّاؤه من محبّي الشعر، والفضوليّون أيضاً. كان لا يهتمّ لمجاملة هنا، ولا لشتيمة هناك. كان يبدو في قصائده ممسوساً بطعم مغامرته، متشوّفاً إلى كلمةٍ يقولها هو على لسان حريّته التي لا يُداري أحداً من أجلها، ومتعفِّفاً لا يتلطّخ نسيج بلاغته بسوء الطويّة. في عزلته ظلّ، يرعى سريرته الزرقاء، فلا يعرفه إلّا أصفياؤه من أبناء مدينته التي لم يغادرها إلّا لماماً.

   كان منير ينتمي إلى جيلنا الذي وُلِد في بحر أيّام القحط، ويعبّر عن روح خيبتنا في دروب الحياة التي وجدنا أنفسنا نخطوها، ونتألم عليها بلا ألوية، ولاأساطير ولا زعيق أوهام. ولهذا كنتُ مشدوداً إلى رؤيا اليُتْم في قصيدته، وعرائها من الأوهام البرّاقة، وسخريّتها من وبال الأيديولوجيا وخشيشها المؤذي. كانت قصيدته تلك تتقدّم صافيةً يرجُّها إيقاع الصعق، كأنّ الذّات ـ ذاته هو تعبر أزمنة الغياب، وتخرج من نفق إلى آخر من تجربة وجودٍ لم يكفّ عن الإصغاء إليها ومعاناتها. لهذا السبب، كنت أطمع في أن أكتب ما كان يكتبه منير بتقشُّف ورفعة. وكنت حريصاً في أكثر من مناسبة أن أذكر اسمه شأن آخرين ممّن لم يهتمّوا بشيْءٍ إلّا بما يكتبون خارج التصنيف، والمؤسسة والجهل بمعرفة الشعر.

لم تكن بيني وبين منير صداقة إلّا صداقة الشعر ونداؤه من بعيد. كان يقرأ لي وأقرأ له في حوارٍ خفيّ متوتّر نتبادله دون أن يعي أحدنا بوجود الآخر إلّا ما بمقدار ما نكون ونتهجّى التسمية.

  لم تكن كتابته الشعرية تنفصل عمّا كان يعبّر عنه من انشغالاته المعرفية التي تنتمي إلى زمنه، في قراءاته المركَّزة لدواوين شعراء مغاربة وعرب، عن هشاشة الشعر وهامشية الشاعر واشتراطات اليومي ووخز الموت ونداء المتاهات.

  لا أعرف ما إذا كان منير قد شعر في أيامه الأخيرة بقرب أجله، وذلك عندما عجّل بنشر مجموعته الشعرية اليتيمة "لن أصدقك أيتها المدينة"، وانقطع إلى نفسه. كان نزول خبر صدور مجموعته يترافق ونزوله مصحّة خاصة لتلقّي العلاج بعد تدهور صحّته واعتلال جسمه. بدل أن يفرح بنصوصه بين دفّتي كتاب في واضحة النهار، كان يتقلّب بين ليل سريرته وغائلة سريره. كلمة الإهداء التي خطّها بيده إليّ، ليست ببعيدة عن هذا الإيحاء. خطّ بركاني مهزوز لا تبين حروفه إلّا بالكاد. هل كان شبح الموت يخطُّ بدله؟.

في مقتبل العمر حزم حقائبه التي لم يجمعها أصلاً، ورحل.

  عزاؤنا في شعرك، يا منير. كان الشعر بالنسبة لك أغنيةً لمن وصلوا بعد الأوان، وتميمةً في عنق الحقيقة تُحاكم رائياً يعمى عن حبّاتها تتناثر في دروب الحياة. إنـّـك... في صُـلب المغامرة هذا اليوم !

  قال الشاعر: "الشّاعر الذي أنفق ثلاثين سنة وهو يصرخ بالسّفن من فوق رصيف الميناء: (أريد أن أخرج من هذا الغيتو)، تفاجأ أنّ (le journal de tanger ) لم يتحدّث عنه هذا الأسبوع، لكنّه فرح ـ كالعادة ـ بصفحة الأبراج "برج الحريّة تحديداً" الذي ظلّ لعُمْرٍ كاملٍ يهمسُ له:" إنـّـك... في صُـلب المغامرة هذا اليوم!!.)

وقال أيضاً:

"الشّاعر
الذي أدركَ

قمة الجَبل الكبِير

أدركَـــــــتــْــــــهُ
ال
هَـ
ا
و
يَ
ة!! "

التعديل الأخير تم: 05/07/2021