علي جعفر العلاق

::

علي جعفر العلاق (شاعر وناقد عراقي: 1945- )

أو وارف الغنائيّات

Images

  لأربعة عقودٍ من زمن التحوُّلات الصعب والمتسارع الذي كان يعبره طوفانٌ سياسيٌّ وثقافيٌّ هائج، كان علي جعفر العلاق يقف هنا والآن. يضع حياته في القصيدة، ويتجاوب مع نداءاتها في ذاته، والأمكنة التي ارتحل إليها، والوجوه التي صادفها وصادقها. كانت القصيدة، في نظره، هي ما يؤسّس هويّته باستمرار، لتظلّ ترياقاً لعبوراته وملاذاً له من جُمّاع  الدمامة والزُّور والاغتراب. بخصوصية شديدة، حدّد هذا الشاعر الواسطيّ علاقته بالقصيدة باعتبارها سماءً مبتلّة بالفضة، أو امرأةً تنبثق من جرح في الريح، فيما هو يرتفع بآلامه وآماله إلى مستوى الرؤيا خفيفاً، مُشعّاً، ومفتوناً بحزنه العظيم عبر دبيب اللغة البلّورية الصافية. وبالقدر الذي كان يحفل فيه بالإصغاء إلى ذاته في زمنها، كان يُلقي بالاً وارفاً على تجارب ممّن تأثّر بهم، ونقل إليهم سحر البدايات وقلقها، وعاش معهم لحظات المرض والموت بنبرة تأسٍّ وتفجُّع مؤثِّرة، وهم ينحتون قصائدهم  وأرواحهم حسب الحجوم والأيام والمناسبات.

  منذ ديوانه الأول"لاشيء يحدث .. لا أحد يجيء" 1973، مروراً بـ""فاكهة الماضي" 1987، و"أيام آدم" 1993، و"هكذا قلت للريح" 2008، وانتهاءً بـ"ذاهبٌ لاصطياد الندى"2011، ما فتئ الشاعر العراقي علي جعفر العلاّق ينحت كتابة قصيدته الخاصّة، ويُطوّر أدواتها الجمالية لغةً وتصويراً وإيقاعاً، بقدرما يُعمّق ملامحها الشعرية التي لا نُخطئ بحّة الحزن الإنساني الرفيع فيها؛ وهي القصيدة التي تظلُّ، بهذا المعنى، بالغة الكثافة ومُتطلَّبةً لذلك باستمرار؛ فما قيمة الشعري خارج التجربة الإنسانية وزمنيّتها الكبرى التي ينغمر الشاعر في مياه دبيبها ويحجُّ إلى أطياف ضوئها.

  من ذاتٍ إلى ذات بوصفها آخر، كان علي جعفر العلاق في كتابه الأوتوبيوغرافي "قبيلة من الأنهار: الذات، الآخر، النصّ"، يحكي سيرته بقدرما سيرة الآخرين الذين انتسجت صداقاته معهم، بعد أن انبثقت إمّا من لقاء بالصدفة، أو من رغبة وحلم، أو من موقف طافح بالوفاء والمحبّة، أو سياقٍ محتدم بالحرج أو بالغيظ. كانت هذه الصداقات تغنم وفاء السرائر وصمتها وحياءها في أزمنةٍ من العمر الجميل والمُمضّ من الازدهار فالذبول والديكتاتورية، ثُمّ انتهاءً بالفاجعة التي فرّقت الأصدقاء ووزّعتهم بين منافي الوطن والذّات واللغة.

كان علي جعفر العلاق، بذاكرةٍ نشطة ومشتعلة، يتذكّر الجميع بحبٍّ، ولا يتّهم أحداً، ويترك كلامه، مسترسلاً بتلقائية وحذراً في آن، يعبر عشرات عناوين الأعمال الشعرية والسردية والنقدية التي رجع إليها، وعشرات أسماء الأعلام من شعراء وكتّاب وأساتذة جامعيّين كان صادقهم والتقى بهم في الأمسيات الشعرية والجلسات الحميمة ببيت أو مطعم أو مقهى، أو داخل أجواء المحاضرات، ومكاتب العمل، والمطارات، وردهات الفنادق، والمنافي، في أكثر من عاصمة ومدينة عربية أو أوربية (بغداد، صنعاء، عَمّان، طنجة، لندن، بيروت، دمشق وسواها).بموازاةٍ مع ذلك، كان يسرد ذاته منذ أن كان طالباً نبيهاً يكتب الشعر الشعبي، ويلقى الاحترام من أساتذته في الجامعة، ويفرح بأوّل قصائده ومقالاته تنشر في مجلتي "العاملون في النفط" و"الأديب"، ثمّ وهو طالب باحث في جامعة إكسترا البريطانية يحضّر أطروحته حول "المشكلات الفنّية في شعر البياتي" تحت إشراف المستشرق الإسكتلندي جاك سمارت، ويعود إلى بغداد ليعمل محاضراً في جامعتي بغداد والمستنصرية بين أعوام 1985- 1990، ويترأس تحرير مجلة "الأقلام" الأدبية المؤثّرة وذائعة الصيت من 1984 وحتّى 1990، ثمّ يجد نفسه في معترك الطوفان السياسي والثقافي الذي كان يجتازه العراق. وبعد الحرب على بلده في عام 1991م، وعدوى الديكتاتورية التي أصابت الجميع بالتلف والعماء، يغادر العلاق إلى اليمن للتدريس في جامعة صنعاء حتى عام 1997، ثمّ في جامعة الإمارات أستاذاً محاضراً للأدب الحديث والنقد منذ ذلك الوقت إلى الآن.

في خضمٍّ متلاطم كهذا، كان العلاق يحرص على تجنب الطرق العامة والابتعاد عن أصوات الآخرين أو تقليد تجاربهم، مسكوناً بهاجس كتابة قصيدته الخاصّة التي لا يشاركه فيها أحد، واستثمارها لغة وبنية وإيقاعاً، في مشهدٍ بدا كاسحاً يموج بالأصوات المتشابهة، والنصوص التي لا تصدر عن حيرة الروح وتصدّعاتها وتشهيّاتها.

التعديل الأخير تم: 05/07/2021