محمد علي الرباوي

سندباد القصيدة المغربية

26j987

سمعنا عن كثير من الأقمار، ولكن قلّ من سمع عن قمر أسرير. محمد علي الرباوي هو مبتكر هذا القمر حتى صار كنايةً عنه وعن قصيدته وحياته في هذه القصيدة. كان من أوائل الشعراء المغاربة الذين فتحت عينيّ على قصائدهم، وكان يأسرني في قصيدته إيقاعها الذي قلّ أن وجدت إيقاعًا يناظر تشكُّلاته في الخطاب وعبره. لا أنسى ذلك اليوم من أيام ماي لعام 2009، عندما سمعت طرقًا مُوقّعًا على باب غرفتي بالفندق في فاس، إذ ما إن فتحته حتّى فتحته على وجه وقور مجهد خالطه بعض الشيب وكثير من الفيض الغامر، فإذا هو محمد علي الرباوي. قاسمني السي الرباوي - كما يُنادى عليه- الغرفة خلال يومي الملتقى الشعري، ورأيت كيف كان يتحدث إلي بأدب وتواضع، وكيف التمّ على جسمه الناحل مثل طفل عندما خلد إلى النوم، أو بالأحرى إلى نهر فراشاته كأنّه يريد يغتسل من تعب النهار.

سألتقي بهذا الشاعر في شفشاون وورزازات وأكادير والدار البيضاء. وفي كلّ مرة، كنت أسمع إلى ذلك النهر الذي يجري من تنجداد، ويتدفق بالحب والمحار والذكريات الصغيرة لقلب كبير. وكنت أقول مع نفسي إن المرء ليظفر في مجلس الرباوي بالحسنيين: القصيدة والبهجة الداخلية.

    لا يمكن لقراء الشعر المغربي ألا يتوقفوا عند منجز محمد علي الرباوي ومساهمته في تحديث الشعر المغربي. ظهرت أولى قصائده في بحر السبعينيات من القرن المنصرم، حيث علا الشعار الإيديولوجي واصطخب الشعراء الذين كان معظمهم يعيشون في مدينة أسستها السياسة، وكان هو كما يقول «يبحث في أمورٍ لا علاقة لها بما تريده هذه المدينة». ورغم صلته بالتراث العربي، إلا أنه تأثر بالشعر الفرنسي خاصة. وهو لا يكتب الشعر الرومانسي ولا الصوفي، وإنما يكتب الشعر الوجداني في علاقته بالحضارة الإسلامية، ويكتب الشعر الروحي في علاقته بهذه الحضارة نفسها. وأهم الملامح التي تشكل منها شعره جاءت من مصدرين اثنين ذاتي وموضوعي؛ فالذاتي شكلته تربيته الصحراوية، والموضوعي تأتّى من قراءاتي المتنوعة من القديم والحديث، ومن الشرق والغرب».