Créer un site internet

أمينة المريني

المتدفّقة في مدارج الرؤيا  

Amina almarini 1 244437506 

     أَلِف قارئ شعر أمينة المريني ألّا يقرأه خارج منزعه الصوفي؛ فمنذ "سأتيك فردًا" (2001) ومروراً بـ"المكابدات" (2005) و"مكاشفات" (2008)، ظلّت هذه الشاعرة ترسخ فهمها للشعر ووظيفته من خلال العبور في التجربة الصوفية ليس يوصفها معتقدًا وثوقيًّا تطمئنُّ إليه، أكثر من كونها حاجة روحيّة وجماليّة خاصة للذات وللعالم، تأخذ من اصطلاحات الصوفية وإشاراتهم وفق ما تمليه عليها تجربتها المفردة داخل توتُّر الجسدي والروحي، والشخصي واللاشخصي، مما يجعلها دائمة التدفُّق في مدارج الرؤيا وإشراقات الكشف والعرفان.

    ولهذا، لا نجد في أشعارها داخل هذه التجربة ما يشي بأنَّها واثقة من نفسها ومستكينة إلى خارجها، وإنّما هي تُعبِّر في جوهرها عن التيه والحيرة واللاطمأنينة، ومن ثمّة عن البحث المضني الذي تضمره الذات لأجل الخلاص مما يثبّط رغبتها وحركة انطلاقها ويقعد بها دونه. وقد شكّل ذلك، في حقيقة الأمر، امتحانًا للتجربة باستمرار؛ إذ هي من مقام إلى مقام، ومن عذاب إلى عذاب إلى حدٍّ تصير فيه القصيدة بؤرةً تتجمّع داخلها أشكال الإمكان الشعري لعيش الكينونة في عالمٍ مَسْخٍ لا تهادنه بقدر ما تبحث عالمًا بديلًا عنه.

 ويأتي ديوانها "خرجتُ من هذه الأرخبيلات" (2015) ليؤكد على هذا الفهم الخاص الذي تجترحه تجربتها الشعرية، ويجعل الشعر الذي تكتبه في صميم التأثُّر بها ومعاناتها أوّلًا بأول، وإِنْ كان داخل محافل جديدة، وتأويل جديد.

      رغم الغموض الذي تنطبع به تجربةٌ تتلبّس الصوفي وتَلْتمُّ عليه، إلا أن ثمّة مؤشرات مناصّية ونصّية وتناصّية في آن، نجدها تتخلل الديوان بشكل يضيء عتمات التجربة ومضايقها ويحفز القارئ ويستنفر طاقته لتأويل ممكنات الخطاب الشعري عبرها.

    إن الشاعرة أمينة المريني لا تتكلّم تجربتها الذاتية المتوتّرة بين الشعري والعرفاني عن نزوعٍ ظرفيٍّ ولا من فراغٍ روحيٍّ أو معرفيٍّ، وإنّما عن ميل فطريٍّ في نفسها وتربية وجدانية تلقّتْها منذ صباها؛ فجعلت من الخطاب الصوفي في شعرها خطابًا عابرًا لسيرتها الذاتية، وخطابًا لازمنيًّا يسعى إلى الخلاص والإمساك بجذوة اللانهائي والتشوُّف إليه بقلب الطفل العاشق الذي لا ينقطع عن التعلُّم والإصغاء إلى روح الكون.