محمد بنعمارة

::

 

محمد بنعمارة (شاعر مغربي: 1945-2007)

أو صنّاجة الحُبّ العليل

Url 4

في ذلك العصر من يوم السبت الثاني عشر من ماي 2007 م، كان الشاعر محمد بنعمارة قد أسلم الروح لباريها عن عمر يناهز الثانية والستين، من بعد صراع مستميت مع المرض العضال. وقد طرحت ملابسات رحيله وقتئذٍ، وفي سجال الميتات المتقاربة لشعراء آخرين، سؤال مسؤولية الدّولة عن ظروف مثقفيها وأدبائها ممّن يخطفهم الموت بعد أن تنخر الأدواء أجسادهم المتعبة فلا يرقّ لحالهم ضمير، ولا يصرف في رعايتهم نقير. قال بنعمارة إنّه "لا يطمع في أيّ شيء سوى العلاج"، محمّلاً مسؤوليّة إهماله لوزارة الثقافة الّتي لم تهتم بملفّه الطبي، وكاشفاً أن لا قيمة للمثقف الحقيقي مثله ممّنْ لا يجيد تسويق علاقاته عند باب السلطة. كانت السّاحة الثقافية برحيله، حقيقةً، قد فقدت واحداً ممّن بصموا مشهدها الشعري والأدبي بأسلوبهم الخاصّ، وأخلاقهم العالية، وموقفهم الجماعي في الحياة والكتابة حتّى صارت له في خارطة الشعر المغربي ضمن سيرورة تحديثه، وبين عيون مُجايليه صورة ثابتة لشاعرٍ مثقّف نزيه لا يماري أحداً. كان من الشعراء القلائل الّذين دافعوا في الممارسة والنظرية عن هوية الشعر المغربي، التي ترفد خصوصياتها من أخلاقيات الكتابة والتراث العربي، والصوفي تحديداً، ومن جماليّات اللغة العربية الحاملة للقيم السامية دون أن تدير ظهرها للقضايا الإنسانية العادلة، وهو ما يكشفه قرّاؤه ودارسو أعمال تجربته الشعرية التي شهدت تحوُّلات في المعنى والشكل.

  في الحوار الذي أجراه معه رشيد يحياوي عندما التقاه بشُقّته في الدقّي- القاهرة وهو طالب بجامعة عين شمس، يبرز الشاعر محمد بنعمارة مراحل تطوّر تجربته الشعرية التي انطلقت أواسط الستينيات: مرحلة التعلُّق بالمقروء الشعري المتأثر بإنتاج الرومانسية المشبوبة بشفافية الغناء مأخوذاً بتجربة العلاقة مع الطبيعة والمرأة كما في ديوانه الأول "الشمس والبحر والأحزان" 1972، ومرحلة القصيدة الذهنية المتجلّية في شعر الفكرة تحت تأثير قراءة الفلسفة الوضعية ومفاهيم الفكر الأوربي كما في ديوانه "العشق الأزرق" بالاشتراك مع محمد فريد الرياحي، والمرحلة المرتبطة بالهموم السياسية وتراكم نكسات الواقع العربي كما في ديوانه "عناقيد وادي الصمت" 1978، وكانت تتأرجح بين ما هو موضوعي سياسي وذاتي وجداني. ومع صدور ديوانه "نشيد الغرباء" 1981، تبرز لدى الشاعر مرحلة توجُّهه الإسلامي التي قطعت تماماً مع المراحل السابقة وأدخلت في سياق الحركة الشعرية المغربية تياراً فكريّاً جديداً نوقش، ولا يزال، تحت مصطلح الأدب الإسلامي. كانت رؤية بنعمارة هو إعادة تجسير العلاقة بين الإنسان والكون، وإحداث التناغم والتفاعل المفقود بينهما بشكل ترتفع معه المشاعر الإنسانية إلى السامي والمطلق. وقد تطوّر هذا التوجُّه مع تطوير خطاب النص الشعري، متحوِّلاً من الارتباط بالحدث إلى الانفعال بالحدث وجدانيّاً وفكريّاً، إلى حين تلبّس بتجربة الموقف الصوفي التي عبّرت عنها دواوينه الأخيرة، ابتداءً من "مملكة الروح" 1987، وهي تخلص عبر مضامينها للقيم النبيلة التي كان يرعاها بحسّه الإنساني وصدقه الفنّي داخل معجم الصوفية في سياقه اهتمامه العلمي والأكاديمي بالأدب الصّوفي وعلاقاته بالكتابة المعاصرة، الذي أثمر كتابين مهمّين سدّا خلَلاً بائناً في الخزانة العربيّة هُما "الأثر الصوفي في الشعر العربي المعاصر" و"الصوفية في الشعر المغربي المعاصر: المفاهيم والتجليات".

التراث والحداثة.. حوارٌ خاصّ

   وفي سياق ذلك كلّه، ظلّت كتابته الشعرية تنبني على هاجس التجديد الذي يبقى دائماً داخل الثابت، بمعنى أنّ "المعادلات الفنّية" تتجدد وفق شروط غير متناقضة مع فلسفة الكتابة؛ وهكذا ظلّت هذه الكتابة تتأرجح، من حيث الشكل الشعري، بين القصيدة العمودية وقصيدة التفعيلة، منتصراً فيهما لصفاء اللحظة الشعرية التي تشعّ بلغةٍ هامسة وممتلئة بالتوهُّج الروحي، بقدرما كان يرعى إيقاعها بشفافيّة ذانه وغنائيته الخاصة، بلا ادّعاء وتمحُّل. لنقُلْ إنّ نوعية الحداثة عند الشاعر محمد بنعمارة كانت تستوحي مفرداتها من التراث الذي اعتبره كينونته وجزءاً مضيئاً من ذاكرته ولحاضره. ومثل هذا التراث الذي يمتدُّ في الأزمنة ويجري بماء الإنسان في القصيدة لا يمكن أن يكون، بأيّ حال، مرحلة منتهية. إنّه حالة ممكنة التجدُّد والعطاء.

   ولن ينسى أبناء جيلي محمد بنعمارة الذي اشْتهر عندهم  ببرْنامجه الإذاعي "حدائق الشعر"، فكان يرعى، باهتمام صافِ، تجاربهم ومواهبهم لسنواتٍ طويلة. ولا أزال أعتقد بأنّ تأثيره عليّ وعلى أبناء كان له وقع السحر، ولا يمكن أن ينكر بأيّ حال، إلى حدّ أنَّهُ مثّل لكثيرين منا جواز سفر إلى القصيدة بلا ضفاف. لقد كان عمراً جميلاً بالفعل.

*

جاوزْتَ مَنْ خانُوا بجُرْحك عارياً،
ولهَجْتَ بالْأَسْماء في إِسرائِها،
ووَعَدْتَ كُلّ الْحُبّ ذاكِرةً لِشاهِدة النّشيدْ
ثُمّ انْتَظرْنا رَيْثما تأْتِي إلَيْنا
مِنْ بَعيدٍ فَادِحٍ كالْبَيْت
كَيْ تَسَع الْمَعاني كُلَّها
ونَفيءُ، في ليْلٍ، إلَى مِشْكاتِك السّكْرى
ونَبْذل بذْلَها
حتّى ارْتَجلْتَ حُروفَك الزّرْقاء
قُلْنا: ذي الْحَياةُ تخُصّ أجْمَلها لهُ
والْوَجْد مجْروحاً لَها
وهمسْتَ: لَمْ أطْمَعْ بِشيْءٍ قبْلَها
كالْوَاقِف اسْتَغرقْت محْمومَ الْجَبين
وحِرْت في ما أَنْبأتْكَ بِه الْوُعُودْ
في جُرْحِك الْأَرْضيّ 
تَأْوي الْوَرْد
لَمْ تَبْخل بِوَرْدٍ
حامِلاً لِلْبَيْت سِرّك مِنْ بَعِيدْ

 

 

التعديل الأخير تم: 05/07/2021