الشعر العربي.. إلى أين؟

من الرعب التاريخي إلى رعب ضياع معايير الكتابة

22qpt699 1

ظلّ سؤال الشعر، في قديم الثقافة وحديثها، سؤالًا إشْكاليًّا. ثمّة أســـــئلة أساســـيّة ضمن أخرى تضَعُنا في قلب الإشكاليّة، لكنّنا لا ننشغل، هنا، إلّا بواحد من مناحي النّظر، الّذي ظلّ معتمًا ومحتجبًا في الخطاب الثّقافي رغم قيمته الرفيعة، وهو وضْعُ الشِّعر في/ من زمنه، وهويّته الجمالية، وأخلاقيّاتُه، ورؤيتُه إلى العالم، من غير أن نغفل- في زخم ذلك- عن الإبدالات السوسيوثقافيّة الّتي طبعت مفهومات الذات والآخر، والمعنى والنوع وأوضاع الكتابة.

انبعاث الشعر

فالقصيدة بوصفها خطابًا هي، في نهاية التحليل، تاريخيّة ليس لأنّها تحمل تاريخها وحسب، بل ومكانها وعبورها للأزمنة والثقافات.
فقط الشّعر دائم الإصغاء إلى زمنه وشرطه الإنساني، وكان للشعراء في قصائدهم، باستمرار، المهامّ الملقاة على عاتقهم حتى فــــي الأوقات العصيبة من نبذهم وتهميشهم. يعبر الكلُّ كما لو كان يعكس علاقات القوّة. يخشى الساسة وحواريُّوهم الشاعر الفرد، فيما الشاعر لا يخشى من يسعون إلى سحقه. 
من رحم التاريخ وتوالي محنه، طلع صوت الشعر العربي نابضًا على لسان أصحاب الموجات الأولى من سيرورة التّحديث الذي طاله، ووجد القارئ في رُوّاده من أمثال: السياب، ونازك الملائكة، والبياتي، وعبد الصبور، ونزار قباني، وأدونيس، ومحمود درويش وغيرهم صور العلاقة المتفاعلة بين نصوصهم وبين واقعهم الذي عملوا، بدرجاتٍ، على نقده نقدًا مباشرًا حينًا، وتطهيره والسموّ به في الرّمز والأسطورة حينًا آخر، بعد فورة الأحلام الرومانسية. ولم يكن ينفصل ذلك عن إبستيم العصر بعد الحرب العالمية الثانية وعام النكبة، الذي ساهم في ولادة وَعْيٍ شعريّ مغاير في تصوُّر عمل القصيدة وسياساتها، وفي بناء الموقف النقدي وطروحات الرّؤية ضمن فضاء الكتابة، آخذًا من معين الفلسفات والمعارف والنظريات الأدبية بنصيبٍ مؤثّر ومتجاوب مع ثقافة الالتزام التي كانت تغشى سماء الفنّ. 
وفي هذا السياق، برز الشعراء التمُّوزيّون والواقعيون الذين لم ينفصل تحديثهم للشكل الشِّعري عن الاهتمام بالمضمون السياسي والاجتماعي الرافض، فدعوا إلى الالتزام بـ»المبادئ الوطنية والقومية والإنسانية»، وبـ»تحرير الأوطان من الاستعمار والتخلف الحضاري»، وبـ»الدّعوة إلى نهضتها ووحدتها ورفاه أبنائها»، بقدر ما هم يتطلّعون إلى غدٍ أمثل تسود فيه الحريّة والعدالة الاجتماعية. وكثيرٌ من هؤلاء الشّعراء كان تجمعهم بمؤسسات سياسية وأيديولوجية واجتماعية وإعلامية (أحزاب الحركة الوطنية، نظريات فلسفية مثل الماركسية والوجودية، مجلّات طليعية، «الآداب والثقافة المصرية وشعر»، أشرطة مُغنّاة تهدر بالثورة والتغيير..). علاقات انتماء أو تعاطف كانت صالحة للطرفين معًا، ومنهم من تأثّر بهذه العلاقة حتى صارت نصوصه مواقف اجتماعية مؤدلجة بحكم الواقع السياسي الضاغط وتأثير النقد الأيديولوجي، لكنَّها انتهت وذابت في الماضي فيما تبدأ كلّ لحظةٍ تلك النصوص المنذورة، كتابيًّا وجماليًّا، للمستقبل وتأويلاته. نذكر، هنا، قصائد كثيرة سارت بذكرها الرُّكبان في المشرق والمغرب، وعقدت آصرةً سحريّة بينها وبين قرّائها، بله جماهيرها، في كتب النقد، والتأليفات المدرسية، والملصقات الجامعية، والاحتفاليات والمجالس الخاصة، والأنطولوجيّات. ومن ينسى، تمثيلًا لا حصرًا، هذه القصائد: «غريب في الخليج» و«أنشودة المطر» لبدر شاكر السياب، وشنق زهران» لعبد الصبور، «الفراغ» لأدونيس، و«لا تصالح» لأمل دنقل، و«القدس عروس عروبتكم» لمظفر النواب، و«سجل أنا عربي» لمحمود درويش، و«سبتة» لأحمد المجاطي، و«خبز وحشيش وقمر» لنزار قباني إلخ. فظلّ شعراء هذه المرحلة يشخّصون الصراع، المعلن وغير المعلن، بين السياسي والثّقافي في الشعر العربي الحديث، ومثّلت الموضوعات القومية والاجتماعية، مثل الموضوع الفلسطيني والصراع الطبقي والاغتراب النفسي والموت والانبعاث، ضغطًا متصاعدًا على نصوصهم الشّعرية. ومن ثمّة، أدمنت الذائقة التعامل معهم بوصفهم الصوت السياسي للثورة العربية، من أجل التغيير والتقدم والرّفاه. وكانت الدراسات النقدية لكلّ من غالي شكري ومحمد النويهي ومحمود أمين العالم ومحيي الدين صبحي وآخرين، تعزّز هذا الإدمان بقدر ما هي مشدودة إلى رهانٍ نظريٍّ ومعرفيٍّ يرهن رؤى الشعراء ومواقفهم بالقضية وتبعاتها وتداعياتها سياسيًّا واجتماعيًّا، أي يرهن «الشّعري» بـ»الأيديولوجي» داخل حُمّى الاهتمام بجماليات الأدب الواقعيّ، وإن كانت هذه العلاقة المزدوجة بين ما هو اجتماعي وجمالي سوف تتسبّب، بلا شك، في خلق العديد من مشكلات الشعر المزمنة.

أليغوريا عن أزمة المعنى

عندما حدثت النّكسة لم تكن أقلَّ من صاعقة ومُدوّية. كانت، في نظر الكثير، زلزالا لم يسبق له مثيلٌ في الوعي الثقافي الحديث، بحيث لم يسْلم من آثارها أحدٌ، وباتت قطاعاتٌ واسعة من نخب الثقافة والأدب والفنّ تُعيد، تحت هوْل ما حدث، النظر في حقول الفكر والرؤية والحساسية. إذا عُدْنا إلى الفترة التاريخية التي أعقبت النكسة وجَدْنا إرشيفًا مُهمًّا يصوّر لنا حجم الآثار وقوّتها. ردود فعلٍ غاضبة، سخط شعبيّ، مراجعاتٌ مذهبيّة ونقديّة، انقلابات العسكر، بيانات احتجاج، لكنّ أخطر ما حصل هو انهيار الأيقونات المادية والرمزية التي حملتها القصيدة واطمأنّ إليها جمهورها، وأعني بها الرموز والإيحاءات والأساطير التي كان يوحي بها الشعراء إلى نهوض الحضارة وانبعاثها بعد انحطاط وموت. إرْثٌ كبيرٌ من الآمال تبخّر، ومن التطلُّعات خاب، كما أجهضت الأحلام بالتغيير والرّفاه والعدالة الاجتماعية. 
من هذه اللحظة بدأ الشّعر في الانحسار، وسقطت القصيدة من الصفحة الأولى في عدد من الجرائد القوميّة إلى صفحات داخلية، بعد أن أخذت الشقّة تتوسع بينها وبين الجمهور الذي أحس بأنّ الشعراء باعوه الزيف والكذب، وأنّ ما وعدوا به لم يجلب إلّا المأساة. كما أحسّ الشعراء أنفسهم بالخيبة واللّاجدوى والشعور بالفاجعة من آثار الزلزال المدمرة، وممّا قفوا عليه من فشل المشروع الثوري والنهضوي، وتشرذم الكيانات السياسية الوطنية، وانطفاء روح العقل والنّقد، ومن لاجدوى «بحار المعرفة السبعة» التي رفدوها نحتًا من لحمهم ودمهم. وسوف يزداد ذلك الانحسار نتيجة المَيْتات المتقاربة لعدد من الروّاد، بالموت أو الانتحار أو المرض أو الصمت أو الخذلان. لكنّ آخرين، في طليعتهم سعدي يوسف، قبلوا التحدي في مواجهة ما تبقّى عبر رؤى ومضامين تقترب من الهجاء السياسي والسخرية والباروديا، وانزاح البعض إلى مناطق أخرى من الكتابة السردية والصوفية والسريالية، بل وصلت إلى حد التجريب واللامعنى، فتصادتْ نصوصها الدالّة مع نصوص قصيدة النثر التي كانت تشير من بعيد، وتغتنم أزمنة المنع والصمت التي واجهتها منذ بروزها أواخر الخمسينيّات. 
بموازاة ذلك، بدأ موضوع الأزمة تمتلئ به الأفواه، بعلم وغير علم. وبسبب ذلك، أخذ وعي الشاعر الحديث يتغيّر في علاقته بذاته ورؤيته وظيفته من جهة، وفي علاقته بفنّه ومفهومه ومراجعه وأدوات عمله من جهة ثانية، وفي علاقته، ترتيبًا على ذلك، بالقارئ والمجتمع بأكمله. 
وقد كشفت هذه العلاقات عن المكانة المتميزة التي أصبح يحتلها الوعي التّنْظيري والجمالي لديه في سياق الحداثة الناشئة باستمرار. وصار، من الآن أكثر من ذي قبل، يكتب الشّعراء شهاداتٍ وبيانات عن تجاربهم الشعرية، ضمن سياق تقييم تجربة الشعر الحر، وما حقّقته من إنجازات واستجاباتٍ لدى المتلقّي.
إذا استثنيْنا محمد الماغوط الذي استطاع، بغنائيّته الخاصة والمتحررة من أعباء المعايير الناجزة، أن يُضيء مسارح التاريخ من مُعذَّبيه ومهزوميه ومغتربيه، وينقلنا، بغير قليلٍ من الاحتجاج والسأم والقسوة والسخرية السوداء، إلى المنافي والسجون والغرف المغلقة والعواصم الباردة التي تذوب في الزمن الضائع، فإنّ شعراء الحداثة من ممثّلي قصيدة النّثر تحديدًا، سوف يشرعون، داخل جماليّات مغايرة، في كتابة نصّ العصيان مستأنسًا بعزلته، وراضيًا بمنفاه الاختياري ضد «المعيار»، وضد «الذاكرة». الشّاعر الفرد المعزول لا الشاعر العرّاف والنبي. لم تعد الحرّية تعني لديهم الالتزام العضوي بقضايا المجتمع، بقدر ما ما باتت تعني أن يخلق كلُّ فَرْد عالمه ومداه، لكي يظهر إبداعه ويمارس حضوره الخاص. لهذا السبب، تحوّلوا إلى شعراء نرجسيّين ولامنتمين وبالغي الهشاشة، يبحث كلٌّ منهم عن حرّيته بمعزل عن العالم، وعن سلطته الخاصة داخل كوكبةٍ من الرّموز الفالتة من كلّ عقال. صارت الذات إحدى أهمّ شذرات الحداثة الشعرية الأساسية لصالح أن يكون الشّاعر بمفهوم الفرد المعزول، والقصيدة ليس لها هاجس سوى وجودها الذاتي. راح الشاعر الحديث يتعالى على المتلقي وينفيه من معادلة العمل الفنيّ ليصير النتاج الشعري نتاجًا في ذاته ولذاته. لا وجود للآخر. الأنا وحدها هي الموجودة، هي المركز وقطب العالم. ‏

لا يوتوبيا إلا داخل الذات

زمنيًّا- بدأت الهُوّة تأخذ إليها الشعر، أو الشعر يرقص على حوافّها، منذ سنوات السبعينيات التي خرجت من رحم الأزمة الوجودية، وكانت حاسمة في بروز وعي جديد داخل القصيدة العربية تسنده مرجعيّات جديدة في الكتابة هي خليط بين مغامرة البحث واللاشكل والعدميّة والجنون والهذيان، إلا أنها بقيت منسيّة لأنها ترافقت مع صعود نظريات الظروف الخارجية والخطابات الشكلانية التي تحركت خارج كلّ التزام بأخلاقيات الكتابة وحداثتها، ونذرت نفسها لما هو «ضدّ الذاكرة»، ولقصيدة النثر تحديدًا. بدأ الأمر هَزْلًا مع مسألة الوزن، وحين جاوزتْهُ إلى شكل المعنى وجدت القصيدة نفسها تلعب في تجربة الحدود وتتسلّى معها، خارج شرائط القيمة والوظيفة ومعايير النوع المتواضع عليها؛ إذ لم يعد يستهويها الحدث وأخذت تُكتب في شكل نصٍّ كُـلّياني ومُتعالٍ ومُفارق للواقع الإنساني. التِّرحال في اليوتوبيا، وما من يوتوبيا إلّا داخل الذات. أسهم التركيز على الذات، على دالّ الذات، في التّيه وإشاعة الغموض في كثير من نماذجها الشعرية، ممّا أحدث تشويشًا بائنًا لأفق انتظار الذائقة نتيجة «عطالة» الدّلالة أو هدم العلاقة بين دلّ وفهم، بحيث لم تعد الأدلّة تُحيل على مرجع، بل إنّنا ننتقل فقط في سلسلةٍ من الدوالّ لا تنتهي. بمقتضى ذلك، صار الدليل في خطاب القصيدة مُحطّمًا، ولم يعد القارئ يعثر على شيء ما كدلالةٍ، وهو ما أحدث، بالتالي، رُعْبًا.
وابتداءً من هذه اللحظة الفارقة، فصاعدًا، بتنا نعيش الأزمنة التي اهتزّت فيها «مؤسسة» الشّعر، وتآكّلت صورة الشاعر المعتادة بما في ذلك الفوتوغرافية نفسها، المختومة بحبره الشخصي. وبدا كأنَّ هناك تراجُعًا في الشّعر بسبب خفوت صوت الشعراء السياسي وأدوارهم المرجأة باستمرار، وقد مثّل ذلك فرصة الإعلام السانحة حتى تمتلئ الأفواه بحديث الأزمة، أزمة المعنى تحديدًا، ثُمّ أخذ الصراع، بالتدريج، يتحوّل إلى الداخل، أي من صراع سياسيّ وأيديولوجي مبرر إلى صراع شعري- شعري محتقن ضاق معه فضاء القصيدة إلى شيع واصطفافيّين حينًا، ودخلاء ملتقطة حينًا آخر. فيما قلّة اعتزلوا هذا الصراع «الكاووسي» وثمّنوا نداء عزلاتهم الباهظة في الشعر وعبره.
لنقُلْ إن الحديث عن الشّعر أصبح اليوم أكثر من الشِّعر نفسه، وهو حديث أكثره غير ذي شأن؛ لأنّه أخذ يبتعد عن الجوهري والإشكالي، بقدرما يلتذُّ باستغراقه الطويل في الشّكْليات والتجميلات والمزايدات. 
أعود فأقول إنّنا نعيش رُعْبًا: من الرعب التاريخي الذي نشأ من غياب أيّ دورٍ ما، إلى رعب ضياع معايير الكتابة. وهل غير ذلك في عالمٍ لاشعريٍّ مثل هذا الكابوس الذي يكبس على أنفاسنا ويتربّص بنا مثل نزلة برد حادّة؟ مع ذلك، ثمّة سياسة ما في القصيدة، هي بمثابة الحركة التي تهجع في رحم القصيدة، التي نهتدي بنا إلى تلك اليوتوبيا في ليل القصيدة، القصيدة الأكثر تقشُّفًا ونَيْلا. وإذا كان زمننا منذورا للتّباريح والعذابات، فإنّ الأزمة هي الشرط نفسه للمعنى وهو يتخلّق باستمرار- إنْ ذاتيًّا أو جمعيًّا. عندما يتوقّف المعنى يصير الشّعر ملفوظًا مُنْتهيًا. بهذا المعنى، تعرض علاقات القصيدة، بطريقتها المُميّزة، الرهان الابستيمولوجي للشِّعر بوصفه عملًا فنّيًّا مفتوحًا على كل الاحتمالات، على المجهول. وعليه، فليس الرّهان شعريًّا فحسب، بل هو سياسيٌّ. وإذن، ثمّة جدوى تتّقد في كُلّ قصيدة تنزع إلى مثل هذا الرهان، حتى وهي تتحرك بلا معنى أَصْلًا.