Créer un site internet

P1

P2P3P4P5P6P7

P9NizwaN2N3N4N5N6N7N8

سيول 

عبد اللطيف الوراري

70871893 1097321167124040 7884986762005577728 n

الزبد

أيها الوعد المتغضّن،
وتلك الأقمار التي تُعفّر وجهها في عمولات الدّم،
فيمَ تنفعك شهادة يائس على عصر مظلم؟
أنا لا أرتجف من البرد،
ولكن ثمّة أصوات بالغناء المبحوح المتقطّع
لا أعرف مصدرها
تأخذني من يدي إلى غيوم على نهر ميّت.
سمعتُ من الذين مرُّوا قبلي
ويمّموا شطر السُّدُم الوسنانة
رافعين أصابع نصر مجذومة،
أنّ الكلمة في عصر الطواغيت
ما أكثر شهداءها
حيث أسراب الزمّج
تلعق الخناجر المسمومة،
والزبد المُدْمى
على الشاطئ الحجري
يتهادى بالريش
والكلمات.
أيها الوعد المتغضّن،
يا زهر البحيرات الميتة
في القرن الواحد والعشرين.

استدراك
لو بوسع اليأس أن يبطل اللعبة،
لقال إنّه من اختراع الشعر،
لكن لا وقت له.

احتلال
شجرة الحلم تنوء بالثِّمار:
شاعرٌ مات للتوّ
منتشرٌ في ظلالها.

غربة
يا شجر الممرّ المصمت،
ها ظلال أغصانك تتلوى عليّ
مثل أفاعٍ ومواعيد ضائعة؛
أين يختفي ظلّي،
وأحياناً يتخلى عني؟

تدوير
رأى النور،
وعاش للدخان يكنسه من الداخل،
ثُمّ فغر فاه للموت.

تأتأة
الشّعر الذي تمتمْتَ به
ذات جرح،
لم يلتئم بعد في جملة.

الدالية
أيها الليل،
أين نجد النهار
فنشرب معاً
من دالية العدم؟

رتق
أيها البحر الذي يئنُّ بما فيه،
موجةً وراء موجة،
من يقرأ الكتاب
ويرتق أصل الشهوة؟

نوتة
عندما ألقى بالقصبة في البحر،
تحلّلت أطرافه؛
فالأرجح أنّه سمع
نشيد الغرقى،
وفاض.

حيرة
أيّتها الريح، لا تلعبي بستارة النافذة،
وبالظلال على جدران غرفتي؛
فإنّ أحلامي قد نامَتْ
ولا أعرفُ أنا أيّ طريقٍ أسلك؟

انطفاء
أيتها النجوم،
إلام تلتمعين!
الليل لا عهد له،
والعيون التي حدّقتْ فيك
قد امتلأت بالتراب.

عطش
ماذا بوسعهم أن يصنعوا
أكثر من الذي كتبوا
على زجاج العالم،
وفي نيّتهم أن يشربوا !

استعارة
إذا التّوْبة رغبت في أن تندم،
فمن أين
تستعير الأصابع؟

قصيدة وصوليّة
فَرِحت بالبروفة الأخيرة،
ولم تفكر في الكلمات التي شُطب عليها،
ولا في النّفَس الذي تقطّع إِرْباً إِرْبا.

وفي رواية أخرى
يموت الشاعر،
والقصيدة لم تفرغ بعدُ
من تصحيح بروفاته.

القرين
ما إن يخرج
حتى يلقي نظرَهُ في المرآة
لِصْق الباب؛
يخاف أن تضيع منه قدماه.

منشور سرّي
في مثل هذا الوقت
خرج وحده مالئًا رئتيْهِ بالرايات،
وفي المساء
عاد مع الظلام.

غروب
عندما تشرق الشمس،
إلى أين يذهب الفجر
والشفق
والضباب
والندى
وغناء الزيزان؟

رماد
بقلم الرصاص
كتبوا كلّ شيء بداخلهم
وهو يحترق.

انفعال
أعمى من لم يرَ.
لكن الشاعر منذ أن رأى، وهو أعمى:
إنّه ينتشر ذرّاتٍ
لكي ينفعل الضوء

غياب
آه،
أحرقنا إليك
كلّ الأشرعة،
ولم نصل بعد.
أيّتها القصيدة الغائبة!

يأس
رأى أحدهم مخطوطاً
بحرف دقيق وحواشي مزغبة،
فقال: هذا شعرُ مَنْ يَئِس
من طول استغراقه.

برزخ
القبور المعشوشبة 
إنّما لأجسادٍ حملت معها الذكريات؛
فهي تتحلّل
لتزهر حذاءها الأبدية.

صفحة وأخرى...
عندما تذيع ألسنة النّار
في الشعر الموزون،
هل تستجير الكلماتُ بالعَرُوض؟
وجه الصفحة الذي خرّقته إرباً إرباً،
ما ذنب ظهرها؟
الذي يبدأ من الصفحة الرابعة
وينتهي عندها؛
هل يهمُّه سعر الفائدة؟

المغدور
في أيّ مكان
ينزف دم العصفور الذي أهوى
مغدوراً به؟

ملوحة
الدمعة
في عين المرأة
محارة؛
تصّاعد
وهي مالحة.
الدمعة
إذ تتّشح الكحل،
زبرجدة.
الدمعة
ذات الرائحة
تعكس اللباس الداخلي.
التي هبطت
الدمعةُ عيْنُها.

*نُشرت هذه القصائد القصيرة بالملحق الثقافي لجريدة (الأخبار) اللبنانية، 24 آب/ غشت 2019.
https://al-akhbar.com/Kalimat/275357

عن الشعري والديني:

                                          الوراري: أنا مع الشعر الذي ينفتح على أسئلة الدينيّ ويتشابك معها

Www 4photos net 1194356008

حاوره: رياض حمّادي

لماذا برأيك يتكئ الشاعر على النص الديني ويشتبك معه حتى اليوم؟

  • الدين هو معرفة السماء (وحي، تعاليم، قصص..)، وشعراء الأرض عبر كلّ الأزمنة كان يغترفون من هذه المعرفة ويتفاعلون معها نصّيًا، لأنّها تسائل الجوهر الإنساني وتطرح عليه أسئلة مصيرية وملغزة تهمُّ وجوده وشكل إقامته على الأرض. غير أنّ أشكال التمثيل الشعري لما هو ديني تختلف من شاعر إلى آخر، ومن ثقافة إلى أخرى، ومن عصر إلى آخر أكثر حداثة.

هل هو تعبير عن قلق وجودي؟ أم لأن الشاعر يمارس وظيفته كنبي ورائي ويؤكدها من خلال هذا الاشتباك؟

  • هو في جوهره تعبيرٌ عن لحظة قلق وبحث عن التوازن، وذهابٌ إلى استقصاء الجوهري في أبعد حدوده، وهذا ما تمثّله الصوفيّات الإشراقية في تاريخ ثقافتنا الشعرية (ابن عربي، الحلاج، رابعة العدوية، جلال الدين الرومي...)، وفي أوربا المسيحية المحدثة، وحتى في صيغتها المادّة والملحدة بما هي موقف من الدين وشكل الإيمان به.

وفي ناحية أخرى، قدّم الشاعر الرومانسي في العصر الحديث، باعتباره نبيًّا ومبشّرًا وحامل أحزان الإنسان، فنجده يتمثّل دورًا في المجتمع تغييريًّا هو أقرب إلى "رفض الواقع" و"الإصلاحية"، بيد أن الدور صار سُبّةً بعد انهيار قيم الأسلوب الرومانسي، التي حلّتْ محلّها قيم معارضة أميل إلى الشكّ والعدمية وتفكيك المُجْمع عليه.

هل لأن النص الديني مازال يمارس تأثيره بأشكال مختلفة؟

  •  الدين هو وحي، وميتافيزيقا، ومعرفة، وسؤال من الوجود والإنسان؛ ولهذا، سيظلّ الديني مشتبكًا مع الحياة الإنسانية في معطياتها اليومية والراهنة، ورُبّما في أصعب الأوقات تزداد الحاجة إليه.

هل هو تناص طبيعي أم مسألة تصفية حسابات تتخذ طابعا شعريا؟ أم أن هناك أسباب أخرى؟

  • هو تناصّ معرفيّ، وعبر ذلك يتصرّف الشاعر مع الدّيني ويناغشه بهذا الوجه أو ذاك تبعًا للمقصد الجماليّ الذي يبنيه ويسعى إليه، وإلا كان ترفًا زائدًا.

ما رأيك بهذا النوع من الشعر؟

  • أنا مع الشعر الذي ينفتح على أسئلة الدينيّ، ويتشابك معها، ويبحث فيها من منظوره كخطابٍ خاصّ، وليس الشعر الذي يتسمّى بٱسمه. يعجني أن أقرأ الشعر الذي فيه مسحة ميتافيزيقية، والذي انبعثت فيه روح إشراقية متسامحة، والذي يحتمي بالعرفان لتشييد خطاب جماليّ يجيب على سؤال من أسئلة العصر المؤرقة، لكن أمقت الشعر الذي يغيب في الدينيّ ولا يقول شيئًا.

هل كتبت هذا النوع من الشعر؟ هل تخشى كتابة مثل هذا الشعر؟

  • لم أكتب شعرًا دينيًّا بحصر التسمية، ولكن كتبت أحيانًا - بوعي- قصائد كان الدينيّ جزءًا من بنيتها الفنّية، ورُبّما اكتشفته ينحدر إليها في غفلة منّي. فأنا شاعرٌ لا يمكن أن أنسلخ من ثقافة كبيرة يشكّل الإسلام أحد مُقوّماتها الأساسية، كما أنّ تنشئتي الأولى كانت دينيّة، وفترة الكُتّاب أثرت على وعيي الأول بالوجود والأشياء، لكن هُويّتي متحوّلة بقدر ما تفاعلي مع معطيات الثقافة الإنسانية بٱستمرار.

*نُشر ضمن  ملف العدد (62) من مجلة "ذوات" الثقافية العربية الإلكترونية، والمتعلق بالشعر والدين.

 

 المقامة الدُّكّالية 

                                                                                        عبد اللطيف الوراري
          نزلتُ أَمْشي في أرضٍ بدكّالة يقال لها كذا وكذا، ونفسي في هواء مُنْعش رائقٍ A1 9​​حَبّذا، وكنت قد رميتُ عنّي غطاءَ الحَجْرِ، وضقتُ ذِرْعًا بكلّ أَمْرِ، فلا نزل الشّعْرُ وبديعُ النّثْرِ، كأنّ الشَّهْرَ فاقَ حِسابَ الدَّهْرِ، حتّى لمحتُ جَمْعَا يتدافَعُ بالمناكِبِ، والْغُبارُ يتطايرُ من كلّ جانِبِ، فَهالني الذي رأيتُ وانتابني الرُّعْبُ، وقلتُ في نفسي "يا هذا ما الخَطْبُ؟"، ووقفتُ أسترقُ دبيبَ السّمْعِ، وأتحرّى ما وراء الْجَمْعِ، فلاحَ لي رَجُلٌ مُلَثَّمٌ رَبْعَهْ، يدخلُ في الكلام ويُؤْتي طَبْعَهْ، يُفنّدُ جائحة الكورونا تَفْنيدَا، ويُشْبِع أهل الزّمانِ سَبّاً وَوَعيدَا، والنّاسُ حوله فاغرةٌ فاهَا طاوية، كأنّها أعجازُ نَخْلٍ خاوية، لا تلوي على شيءٍ ممّا تسمعُ، وعيونها تقدح بالشّرَرِ وتلمعُ، وأنا حائِرٌ أقدّم رِجْلًا وأُؤَخِّرُ، تُعوزني الحيلةُ ويتأذّى المخْبَرُ، فيمَ أصنعُ بالجَمْعِ والمَعْمَعة، ونبّيِهِم الجاهل الإمَّعة، حتى عطستُ عطسةً مصدورة، قد اهتزّتْ لها أركانُ المعمورة، فلا تَرى إلا هاربَا أطلق ساقيه لِلرّيحِ، وَمُرْتَعبًا خائِفًا يلجلجُ بالتّسْبيحِ، وهم يتصايحون: كورونا كورونا كورونا، ومثارُ النّقْع أرخى طَقْسًا حَرُونا، وأنشدتُ:

"تغيّرتِ البلادُ ومَنْ عليها           فوجه الأَرْضِ مُغْبرٌّ قبيحُ"
فلستَ تَرى المروجَ مُزَرْكشاتٍ  ولا حملتْ إليكَ الْغَيْثَ رِيحُ
سوى الآفاتِ شمّرتِ الأيادي      فهذي لَوْزتانِ وذي قُروحُ
  فيا ربِّ النجاةَ، وليسَ إِلّا            إليك الْعَوْدُ والأَمَلُ الفَسيحُ    

عبد اللطيف الوراري: أتبنّى مفهوم الحساسية في مقاربة التجربة الشعرية الجديدة

2 730x438

حاوره: محمد الديهاجي

القدس العربي، الخميس 2 أبريل/ نيسان 2020

عبد اللطيف الوراري شاعر وناقد مغربي، عضو بيت الشعر في المغرب، يبحث في قضايا الشعرية العربية قديمها وحديثها. له كتب عديدة في الشعر والنقد، من ضمنها؛ في الشعر: «لماذا أشْهَدْتِ عَليَّ وعــد السحاب؟» دار أبي رقراق- الرباط 2005؛ «ما يُشْبه ناياً على آثارها» (جائزة الاستحقاق من جوائز ناجي نعمان الأدبية 2007)؛ «تريــاق» (جائزة الديوان الشعرية- برلين)، منشورات شرق غرب- بيروت- 2009؛ و«ذاكرة ليوم آخر»، دار التوحيدي- الرباط، 2013. صدر له في النقد: «تحوُّلات المعنى في الشعر العربي» (الجائزة الأولى في النقد من جوائز الشارقة للإبداع العربي)، دائرة الثقافة والإعلام- الشارقة- 2009؛ «نقد الإيقاع: في مفهوم الإيقاع وتعبيراته الجمالية وآليّات تلقّيه عند العرب»، دار أبي رقراق- الرباط، 2011؛ «الشعر والنثر في التراث البلاغي والنقدي»، سلسلة كتاب المجلة العربية- الرياض، 2013؛ «في راهن الشعر المغربي.. من الجيل إلى الحساسية»، دار التوحيدي- الرباط 2014. وله في السيرة الإبداعية: «قصّتي مع الشعر» (نسخة رقمية)، شركة الارتقاء المعرفي- الرياض، 2013. كما ساهم في كتب نقدية مشتركة من ضمنها: «علي جعفر العلاق: الصوت المختلف» (عمان، 2013)؛ «الأوتوبيوغرافي في الشعر المغربي المعاصر» (الدار البيضاء، 2014).

نص الحوار:

■ كما هو في علمك، تغدو القصــيدة عند كل شاعر، بعد أن تنضج تجربته الشعرية، وتتخطى مرحلة الكتابة الحدوسية أو العفوية، أقول تغدو مشروعا يعكس تصور الشاعر للكتابة ومدى وعيه بها. فكيف تنظر للكتابة الشعرية كأفق في مشروعك الشعري؟

 - كنتُ مشدوداً، منذ بدايات قصيدتي الأولى، إلى ميلٍ في الإطالة والتثقيف والتنقيح، بزعمي أنّ القصيدة هي طول النّفَس، وأنّ الشعر صنعةٌ وفنٌّ. وهذا الفهم للقصيدة تأتّى لي من قرءاتي لتاريخ الشعر والشعرية عند العرب، وسعيتُ إلى تجسيده بصيغ وأشكال متنوّعة تتطوّر مع تحولات التجربة، بدون أن تنزاح عن جوهر ذلك الفهم. في ديواني الأوّل «لماذا أشهدت عليّ وعد السحاب؟»، والدواوين الثلاثة التالية: «ما يُشبه ناياً على آثارها» (2007)، و«ترياق» (2009)، أحاول قدر الإمكان أن أطوّر تجربتي، بدءاً من الغنائية التي أعمل عليها باستمرار بجذريْها العاطفي والرمزي، وانتهاءً برفْد المتخيّل الذي يدفع بالذّات إلى أقصاها في مخاطبة المطلق، عبر وجوهٍ وحيواتٍ وعوالم متعدّدة، بهذا الشكل أو ذاك. فلا يعنيني في الأشكال التي اُكبّ عليها بقدر عنايتي بإيقاع الذات والعمل عليه، داخل البناء النصّي، الذي ترفده موسيقى هامسة من الإيقاع، ويسهم فيه تنويع التراكيب، مثلما عنايتي بالتصوير الشعري وإدارته في إطار من الحوار الخارجي، الذي يستبطن الحالات الشعرية المختلفة، وهي تشفّ عن ذاتيّتي وشرطها الثقافي والوجودي. مع ديواني «ذاكرةٌ ليوم آخر» (2013)، عانيتُ من مرحلة عبور نفسي وجمالي من الطور السابق إلى طور آخر أكثر جدّةً وتنويعاً على همومي الشخصية. وقد عكست قصيدة «تقاليب ضوء» المكوّنة من مقاطع شذرية متراكبة، هذه الروح العبورية بامتياز. وهكذا، فإنّي اليوم أكتب شعراً مختلفاً، شعراً مائلاً إلى القصر، مقطعيّاً، متشظّياً وشذريّاً أُضمّنه أمشاجاً من حياتي المتخيّلة أكثر منها الحقيقية، انسجاماً مع تصوُّري للذات والزمن والكون. وفي نظري، أرى أن الوقت حان للقطع مع القصائد الطوال ذات البناء الغنائي أو الدرامي الشاهق، التي لا تتوافق مع طبيعة حوامل الكتابة الجديدة، إنتاجاً وتلقّياً؛ فالمُعوَّل عليه ـ هنا – هو الكتابة الشذرية أو الإبيغرامية التي سنحت لها اليوم سانحة ثمينة، لكي تنقل الشعر إلى عهد جديد، وتلقٍّ جديد، ومقولات جديدة.
■ يعيــــش المشهد الشـــعري المغربي اليوم، وضعا مشوبا بالالتباس بالنظر إلى الرواج الحاصل على مستوى الإصدارات والنشر الورقي والإلكتروني، بدون اعتبار، في أحايين كثيرة، للقيمة الفنية لما يكتب ، من جهة، ومن جهة أخرى نسجل توترا ملحوظا في العلاقة بين الشعراء وجمهور الشعر. ما تقييمكم لهذا الوضع؟

– إذا طالعنا نصوص التجربة الشعرية التي انخرط في كتابتها الشعراء، ابتداءً من أواسط التسعينيّات وعبر بدايات الألفية الجديدة، جاز لنا أن نستقرئ السمات الشعرية الأساسية التي ترتدّ إليها، ومن ثمّة وقفنا على حجم المغامرة التي ارتادوها بما تنطوي عليه من رهانٍ على الاختلاف والتعدُّد؛ فهم لا يكتبون بسويّةٍ واحدة، ولا يجمع بينهم فهْمٌ محدّدٌ للعمل الشعري، أو هم يشتركون في هذه الخصيصة، أو تلك، ويتنازعون هذا البعد وذاك. كما أنّ مصادر كتاباتهم تعدّدت جغرافيّتها، لتشمل كثيراً من آثار الشعر العالمي بلغته الأصلية أو مترجماً. ولا شك في أنّ ذلك ممّا يُغني الشعر المغربي المعاصر، ويصنع حيويّته، بالقدر الذي يعكس من خلاله صراعاً ضمنيّاً بين جماليّاتٍ متعارضة في كتابة القصيدة، وطرائق مختلفة لبناء الذوات ورؤاها إلى العالم.
■ ليس من شك فـــي أن ما يمــــيز هـــذا المشــهد اليوم، كما تفضلت، هو التعدد والاختلاف، وهذا معطى صحي وإيجابي بالنظر إلى حق كل شاعر في الاختلاف الشــعري، بمبرر اختلاف الحساسيات. فما هي أبعاد ودلالات هذا المفهوم (الحساسية) عندك؟

- في قراءتي للشعر المغربي المعاصر، أتبنّى مفهوم الحساسية، وأتوسّل به كأداة إجرائية في مقاربة التجربة الشعرية الجديدة، باعتبار أنّ الحساسية، هنا، نتاج سياق سوسيوثقافي ضاغط، تستجيب لمؤثّراته وتتفاعل معه باستمرار؛ ومن ثمّة يتركز تحليل مفهوم الحساسية على بيان أثر الإبدالات الجمالية، التي طالت فضاء القصيدة الحديثة، أو تلك التي اعترت المادة الشعرية في نصوص التجربة الجديدة. وبما أن الحساسية الجديدة ممتدّ في الزمن، فإنّ استعمال مفهومها وتصوُّرنا لها لن يكونا ذا دلالة، إلا عندما تكون مدة سريان التغير ممتدّة في الزمن، هنا والآن. وهي، من هنا، أبعد من أن تكون تعبيراً عن الموجة الجديدة التي يلحقها بعضهم بـ(الموضة)، ويكرّسها قدحاً أثناء حديثه عن التجربة الشعرية الجديدة. لقد أبان عدد غير يسير من شعراء التجربة الموهوبين، من خلال اجتهاداتهم واقتراحاتهم النصية، عن وعيهم باشتراطات الحساسية الجديدة، فانحازوا إلى شعريّتها المختلفة التي تقوم على تنوّع الرؤى وتمايزها، بنسب محدّدة، عمّا سبقها، وتكشف عن تحوُّل في الحسّ الجمالي، وفي مفهوم الذات والنظر إلى العالم، وفي تقنيات التعبير الفني للقصيدة خاصة، وللكتابة عامّة. وهكذا، فإنّ الارتباط بعامل الزمن لا يعني لنا من قيمة إلّا بمدى قيمة الأشخاص المتحرّكين داخله، ودرجة حضورهم فيه. وإذ أتحدّث عن حساسية جديدة في الشعر، فإنّما أريد التوكيد على قيمة التحديث والمغايرة والاختلاف التي صاحبتها وتبنّتْها، بدلاً من حساسية قديمة كانت ترهن الشعري بالأيديولوجي والرسالي في زمنٍ ما وحقبةٍ ولّتْ. أمّا هذه الحساسية الجديدة فهي ليس حساسية واحدة ومنسجمة، وإنّما هي بالفعل حساسيّاتٌ متعددة وغير منسجمة، قياساً إلى أنّ رؤاها ومرجعيّاتها وروافدها وطرائق تدبُّرها للكون الشعري وبنائه مختلفة إلى حدّ التعارض، وأنّ شعراءها لا ينضوون في جيل، ومدرسة وتيّار ما. إنّهم منذورون لذوات لا تُحلّق إلا لتُخفق، وأيادٍ لا تكتب إلا لتمحو. ويحقُّ لنا، بعد هذه السنوات القليلة، لكن المؤثرة، أن نتكلّم عن شعرية مغربية جديدة بما للزمن من استحقاقاتٍ، تأتي عبر ما تراكم في مجال النّوع الشعري والإضافات التي يشهدها الشعر المغربي بوصفه «شعر أفراد وليس شعر أجيال».

■ بالعودة إلى تجربتـــكم الشعـــرية، فـــي أي حساســـية يمكن إدراج تجـــربة عبد اللطيف الوراري؟

- أعتقد أن تجربتي الشعرية تنخرط في هذه الحساسية بجُمّاع ما فيها من مقترحات وأشكال صياغة ورؤى جديدة للذات وللعالم. ولقد تحدّثتُ عن هذا في نص شهادتي عن «التجربة الشعرية الجديدة في المغرب» التي احتفى بها بيت الشعر المغربي، يوم 19 ديسمبر/كانون الأول 2009 في الدارالبيضاء، عندما قلتُ إنّها: «تجربة تتنامى في عبورها الخاص، وفي انتباهها الخاص، منحازةً أكثر إلى كتابة تشفُّ عن ذاتٍ تعاني عزلتها، وتواجه هشاشتها، فيما هي تطفح بالحب والغناء والأمل في إعادة صياغة الحياة والتحرُّر من القيود».

أكادير كما عِشْتُها:

الفينيق الذي يعارك مهازل الأيام

عبد اللطيف الوراري

46436848 10156711024499898 3421364033096253440 o

(1)

  منذ عقدين ونيّف حللتُ بنواحي أكادير للعمل في التدريس. كان الأمر أشبه عندي بمنفى. لم أكن أعرف عنها شيئًا إلا ما كان يقع تحت بصري من بطائق سياحية تُقدّمها بشكل جذّاب وغروتيسكي: مدينة سياحيّة ساحرة، وقبلة يقصدها السياح طوال العام من كلّ بقاع العالم. وأما اسمها فقد ارتبط في ذاكرتي بحدثين متقاربين:  الزلزال الذي ضربها قبل عام ستّين وحطم معظم بنيتها التحتية، وخطاب المسيرة الخضراء الذي أطلقه منها الملك الحسن الثاني. عدا ذلك، كانت أكادير تنادي عليّ من أمكنة أخرى.

(2)

   إلى أواخر التسعينيات، كانت المدينة ما تزال أكثر إقبالًا على الحياة، وعهدها بالزلزال بدأ يبعد رغم القصص الحزينة التي سمعتهم من بعضهم، وكانت الثقافة جزءًا من نشاط الناس في أيامهم؛ فنّ الروايس، وحركة مسرحية في طليعتها مسرح عبد القادر عبابو، وأخرى فنّية متنامية لتشكيليّين يحيون رموزًا وأيقونات تراثية منسية في لوحاتهم، ونقاش حادّ خرج إلى العلن حول المسألة الثقافية الأمازيغية، وندوات أدبية وفكرية امتدّت بعد تأسيس الجامعة وكان يحييها نشطاؤها؛ من أمثال: محمد ابزيكا، ومحمد الماكري، ورشيد يحياوي، ومحمد خطابي، وأصحاب (مختبر الأدب الشخصي)، إلخ.  بدت أكادير كأنّها مثل الفينيق تنبعث من أنقاض الزلزال وتتوقّد كالشُّعلة من تحت الرماد، وكانت تُلهم مُحبّيها من الشعراء وشذّاذ الآفاق والحيارى الذين أخلصوا لندائها البعيد، وجاؤوها بأكمام الحب والأمل من الفجاج والصحارى والمنافي:  محمد خير الدين، وعلي صدقي أزايكو، ومحمد بنطلحة، ومحمد الشيخي، ومبارك وساط، وقبلهم ألهمت الشاعر الإنجليزي توماس إليوت وهو ينقّح قصيدته العالية "الأرض الخراب" قبل عامٍ من الزلزلة كأنها إحدى نبوءاتها الغامضة. لذلك، أفهم الآن لماذا المدينة الحُرّة تصنع متفرّدين، خارج السرب.

    لكن ما إن دلف عام الألفين حتى بدأت تنطفئ - شيئا فشيئا- هذه الشعلة المتوقدة، وانكفأ الصوت الطليعي إلى الهامش، وحلت محلّه مائدة المتهافتين على كل شيء، وأخذت المدينة تفقد صورتها الأصلية وهندستها الجمالية، بعد أن زحف العمران العشوائي، و ونشطت مضاربات الريع وامتيازات السوق السوداء، وبالتالي باتت تخذل رموز انبعاثها وذاكرة (سوس العالمة) التي ائتمنت عليها. بل أخذ يُعرض فيها كل شيء إلا الثقافة بمعناها المؤسس، التي ستلتحق - للأسف - بالأدراج المظلمة لتنام جنبًا إلى جنب مع شغف المعرفة وروح البناء وأصالة الفكرة.

   ولهذا، لا مجال لأن تستغرب اليوم، وأنت ترثي الوقت، وأنت ترى المدينة بلا  قاعات سينما عصرية أو صالات  فنية أو منصّات للقراءة والعرض، والأوساخ والقاذورات تواجهك من كل ناحية، وأشغال الترقيع التي لا تنتهي، وأكثر المواسم التي استوطنتها هي للتسطيح والابتذال والتهريج السخيف. والأخطر أن تصير المدينة ضحية محاصصة طائفية وسياسية ومجتمعية يتمّ تجييشها في كل مناسبة اقتراع وارتزاق.

(3)

     إن مدينة تاريخية تستضيء بتراث أمازيغي مغربي أصيل، وحاضرة واعدة تربض على إمكانات مادّية غنية، ينبغي لها أن تحلم بدور ثقافي أكبر وإشعاع حضاري يربط شمال الأرض بجنوبها، وألا تترك المشاريع السياحية "الربحيّة" التي تُسوّق منتوجًا ساذجًا وغير ذي جدوى، أن تأكل من لحمها وتحجب عنها رؤية ما تفرح به وتسعى إليه.

   وأعتقد أن إعادة انبعاث المدينة وتأهيلها وتعميرها الهندسي الجميل، يتوقف على تفعيل النموذج التنموي الجديد الذي أطلقه الملك؛ برنامج التنمية الحضرية لأكادير (2020-2024)، فهو يطمح إلى الارتقاء بالمدينة كقطب اقتصادي متكامل، وتكريس فاعليّتها الجهوية، وتقوية جاذبيّتها كوجهة سياحية وطنية ودولية، والرفع من مؤشرات التنمية البشرية، وتحسين ظروف عيش الساكنة داخل الأحياء ناقصة التجهيز، عدا تقوية البنيات التحتية الأساسية وتعزيز الشبكة الطرقية وتحسين ظروف التنقل عبرها.

  وقبل هذا وذاك، ضرورة استحضار البعد الثقافي ضمن هذا النموذج، فلا تكون ثمة تنمية بدون ثقافة، ولا سياسة مُواطِنة وحقيقية تعمى عن دمج الثقافة في جميع سياسات التنمية، ومُواطِنوها – بمن فيهم أبنائي اليوم- يتطلّعون إلى عقد اجتماعي جديد لا يبخس تراث مدينتهم، وثقافتهم المحلّية، ويصالحهم مع تاريخهم الوطني ضمن الهوية المغربية الجامعة.

(4)


هذي أكادير التي لا تغـربُ

                وضياؤها الأبهى، فأنّى المشربُ؟
عشرون عامًا لاهِثًا في دربها

               ما إنْ أمسَّ الأُفْق يهربُ.. يهــربُ
حتى وجدتُ الشِّعر يركضُ جانبًا

                    وعلى خُطاي خُطاهُ بي تتقلّبُ
فإذا الظِّلالُ تطوفُ بي، وإذا الرؤى

                    عمياءُ يمحو وعدُها ما أكتبُ !

الأورغانون

عبد اللطيف الوراري

    الشِّعر، الشِّعر.. يُطْرح الملفوظ كما لو كان الأمر يتعلّق باستغاثة من وسط غابة أخذت تحترق، وأحيانًا تتخيل طقطقة الخشب وهو يحترق، واللحاء وهو يحترق، بل الثمار وهي تحترق. تريد أن تتخيّل العصافير وهي تحترق، فلا تقدر. ولا الأنساغ كذلك. دالّ "لا تقدر" هو النزعة الإرادويّة المقاوِمة التي ينبغي أن يؤمن بها شاعر معاصر في مكان من هذا العالم؛ وإلا سيلفح السديم الأصمّ مسامّنا ويملأ علينا بداهة الأفق، ويأتي إلينا النهر بالجثث والريش واللقى ومِزَق الكتب التي استعملت لتدليس الحقائق.
    العصافير هي امتداد المطلق الذي يمدّ إليه الشعر أياديه المرتجفة، بقدر ما هي رفرفته التي ينشدها على أجنحة الحلم، والأنساغ هي جذوره. بينهما نداءٌ خفيٌّ وأبديٌّ نلتقطه في شكل أغنية، ومن هذه الأغنية نستلهم لوجودنا شكل حياة، بل شكلًا قاسيًا للحياة التي نستمرئها على شفا الموت. هذا هو شُغْل الشعر المعاصر، بلا تجميلات ومزايدات.

   صحيحٌ أنّ الشعر يشغل حيّزاً مهمّاً من شواهد إرثنا الثقافي والجمالي الضارب بأطنابه في أعماق التاريخ والحضارة، والهاجع في اللاوعي الجمعي.

   وصحيح أنّ ثمة خوفًا يتلبّسنا من أن تتلف الريح الجائحة تلك الشواهد التي بينها وبين الهاوية سنتيمترًا واحدًا، وتضيع الكلمات في الظلام حيث الصوت الأجشّ المبحوح لا يصل إلا نظيره  من المجهول؛ وذلك على نحو ما يشبه خوف بول فاليري

في سنة 1919؛ أي قبل قرن، وهو يتحدّث عن أزمة الروح، عن موت الحضارة، فيما كانت اللوحات ذات الحجم الكبير للوحشيّين الجدد تغشى الأفق. هذا الخوف - فعلًا- لا يمكن إلا أن يصاحبنا في كلّ لحظة من زمننا الذي باتت تغشاه "لوحات" التقنية الأكثر صممًا وإخلاصًا للجائحة. 

   لكن ليس صحيحًا أنّ في الشعر خلاصًا من تباريح الأرض، وترياقًا لداء اكائن السرمدي، فالوظيفة التقليديّة التي ارتبطت به وقالت بخلاصيّته ومشروعه النبوئي باتت ضربًا للعبث، وعماوةً من فراغ اليد.

  من عديم الجدوى أن يبحث الشعر عن دور جماهيري، أو بالأحرى يُبْحث له عن مثل هذا الدّور، ولا وهم التّمثيل والمحاكاة، ولا عن خطاباتٍ تُعزّز الإجماع الكاذب. إن الذين يربطون الشعر بحالة الطمأنينة، وببلوغ الخلاص إنما يتحاملون على الشعر، ويُكرّسون فَهْم العامّة له كشيء ساذج، نفعي وآنيّ. قُـوّة الشّعر في هشاشته التي لا تُزهر إلاّ في العتمة، وفي مواعيده اللامتوقعة التي تودع في الشقوق بستانًا من الأمل، وتترك لتصدُّعات الرّوح أن تتكلم زمنها بفرح غير آبهة بقهقهات البرابرة وخناجرهم المسمومة.

    قد يستغرق التغيير الذي ينشده الشعر أمدًا طويلًا، فهو ليس موظّفًا في مصلحة المستعجلات، ولا تعنيه الإملاءات من خارج؛ إنّه ابن داخله التي يتدفق بأنهار الفقدان، ووليد لحظته التي اختلسها من السفر اللامرئي وهو يعبر أشياءنا المتناثرة حولنا، ويبثُّ فيها حميّة الإنساني والجوهري من غير أن ننتبه عادةً إلى ذلك.

     وإذن، فليس بوسع أحد من الشعراء أن يدّعي بأنه سينقذ أو يغير العالم، فإنّ أقصى ما يطمح إليه الشعر هو أن يغير نظرتنا المتراخية للعالم بقدر ما يؤنسن العلاقات بيننا- نحن بني آدم الذين صرنا أكثر عداء لبعضنا البعض، بيد أن ذلك يتطلب غير قليلٍ من التسامح ونبذ الخلاف الذي يتعاظم في عصر "حقوق الإنسان" .

       ما يرسخ اقتناعي بقيمة الشعر وضرورته هو هذا: الشِّعر.. الشِّعر (بنبرة أقلّ خفوتًا)، فذلك يتيح لي أن أتسمّع الأغنية من هناك، وبِجُماع الجسد النشوان لا أترك النار تلتهم عدالة الغابة ولا تتداعى طقطقاتُها لتتلف لحن الأورغانون الذي يتأتّى من حصّة الحِمْلان .

أدخلُ الغابة،

فأحارُ لِشجرةٍ تتدلَّى عليَّ أَغْصانُها

بِقوافٍ لشاعرٍ جاهليٍّ مات قبل ألفَيْ عام،

وأخرى أخفَتْ عنِّي طريقَ العودة.

أتقدّمُ حثيثًا مثل النار

ونفسي، يا أصدقائي،

أن أطعم عصافيركم على ضوء سريرتي

كسل الكَرْم وآفة الزُّؤان.

كُلَّما قصرت ذُبالة الطريق،

أرفع الأَنْخاب في ليل القصيدة

وشفتايَ على الأورغانون.

أن تعيش الكينونة بمزاج نملة

عبد اللطيف الوراري

أتذكّر حكايتَيْن كلما سُئلت هذا السؤال المثنّى القاسي:

 لماذا تكتب؟

 ولمن تكتب؟

      تذكّرتُ ذلك الزمن البعيد الذي يتوارى خلف أميال طويلة من بخار الأنفاس؛ فذات جرح- وجدْتُ نفسي أنظم أوّل الأبيات. لا أذكر شيئًا ممّا كتبته، لكن في كل الأحوال كنت أتلمّس الكلمات وراء دخان الأحلام وأتلمّظ مذاقها العذب على لساني. ثُمّ أتسمع – يا للصدفة ! – من شريط كاسيط غنائي هذه اللازمة لمُغنٍّ مغمور: "يا طير يا طاير". لسبب غير مفهوم، كنت لا أملُّ من سماعها، كأنّما وجدت فيها ترياقًا، وحسبتُ صاحبها يناديني عليّ للتحليق وقد ربّيْتُ أولى أجنحتي من دبيب الكلمات وهمهماتها؛ فأتخيّلني ذلك الطائر المغمور الذي يقاوم بمخلبيه الصغيرين الأقفاص الحديدية وعتمات الدخان، ويهمُّ بالانطلاق إلى فضاء الله.

     ثُمّ أتذكّر إلى عهد حديث، كيف أخذ صوتٌ ما ينادي عليّ من أمكنة قريبة. سأعرف بأنّ هذا الصوت ليس سوى الشعر؛ ولهذا ما زلت حتى الساعة أجهل مصدر الشعر أو الدغل الذي يأتي منه. كان الصوت، في أحيان ملتبسة، يتحوّل إلى وعد، إلى يوتوبيا، ولا سيما في بلدٍ لا مكان فيه للشعر والشعراء تحت الشمس. هكذا، بعد عقد ونصف من ملازمتي الشِّعر وعذابه، تصرّفت بشيء من الجنون وأنا أصدر باكورتي الشعرية: "لماذا أشْهَدْتِ عليّ وعد السحاب؟". بعد الطبع، بدأت قصّة توزيعي للديوان من مكتبة إلى أخرى، ومن كشك إلى آخر. لمّا كان أصحابها يعلمون أنّي أحمل إليهم شعرًا، يرفضون استلام النُّسخ منّي، أو يأخذون أقلّها على مضض، تحت نظرات الفضوليّين المشفقة، بذريعة أنّ الشعر بضاعة كاسدة.

70585454 2515635105148702 1168833619704152064 n

   لقد آلمني أن أسمع مثل هذا الكلام أكثر من مرّة بما يشبه إجماعًا. ساعاتٌ طويلةٌ قضيْتَها في الشعر وعلى حوافّه تبدو لك كأنّها هباء. وُوجِهْتُ بمثل هذا السؤال: هل أستمرّ في الكتابة أم أنقطع عنها إلى شأنٍ آخر؟

   لكن سرعان ما انفتح أمام عينيّ أفقٌ مثل هِبة؛ حيث وجدْتُ نفسي، داخل الثانوية التي أعمل بها، مُحاطًا بِتلقائيّة تلامذتي ودهشة عيونهم المُشعّة وانطباعاتهم العفويّة عن ديواني الذي ناقشوني في لغته وفضاءاته، وأثارهم ما وجدوا فيه من حزن، فتأثّروا بذلك جميعًا. صار الشعر، من هذه اللحظة بالذات، التزامًا إنسانيًّا لا رجعة عنه.

   بعد عقد ونيّف، فإن ما يبقى هو ذلك الوعد الذي يجعل من الذات، ومن غيريّتها التي تتشكل في حوارها مع آخرها باستمرار، واجبَ الواجبات في دولة الشعر. من ذات إلى ذات، من برعم إلى شجرة، نُصْغي إلى حياتنا المغدورة في زمن يقلّ فيه الشعر لصالح التقنية التي تروّجها وسائط الميديا وأدعياؤها بالوكالة ويُعمّمها عالم سادر في ماديّته الشرهة؛ حيث بالكاد يصل صوت الشعر الأجشّ والمبحوح.

     مع ذل70502772 462204211041307 1806887986898403328 nك، من عديم الجدوى أن يبحث الشعر عن دور جماهيري، أو بالأحرى يُبْحث له عن مثل هذا الدّور، ولا وهم التّمثيل والمحاكاة، ولا عن خطاباتٍ تُعزّز الإجماع الكاذب. إن الذين يربطون الشعر بحالة الطمأن​​ينة، وببلوغ الخلاص إنما يتحاملون على الشعر، ويُكرّسون فَهْم العامّة له كشيء ساذج، نفعي وآنيّ. قُـوّة الشّعر في هشاشته التي لا تُزهر إلاّ في العتمة، وفي مواعيده اللامتوقعة التي تودع في الشقوق بستانًا من الأمل، وتترك لتصدُّعات الرّوح أن تتكلم زمنها بفرح غير آبهة بقهقهات البرابرة. وقد يستغرق التغيير الذي ينشده الشعر أمدًا طويلًا، فهو ليس موظّفًا في مصلحة المستعجلات، ولا تعنيه الإملاءات من خارج؛ إنه ابن داخله التي يتدفق بأنهار الفقدان، ووليد لحظته التي اختلسها من السفر اللامرئي وهو يعبر أشياءنا المتناثرة حولنا، ويبثُّ فيها حميّة الإنساني والجوهري من غير أن ننتبه عادةً إلى ذلك.

وإذن، فليس بوس​​​ع أحد من الشعراء أن يدّعي بأنه سينقذ أو يغير العالم، فإنّ أقصى ما يطمح إليه الشعر هو أن يغير نظرتنا المتراخية للعالم بقدر ما يؤنسن العلاقات بيننا- نحن بني آدم الذين صرنا أكثر عداء لبعضنا البعض، بيد أن ذلك يتطلب غير قليلٍ من الوقت والشعر.

     ذلك ما يرسخ اقتناعي بقيمة الشعر وضرورته، ويتيح لي سانحةً تلو أخرى من أجل ألا أخذل الطائر الذي سافر وما زلتُ أسمع خفق أجنحته من البعيد، ولا العيون التي كانت تبرق لي بالوعد وضوء البتلات.

   يا صحبي،

 الشّعر الذي تمتمتَ به ذات جرح،

 لم يلتئم بعد في جملة !

ترجمة الشِّعر

هذه العِلَّة التي في منتهى العافية

عبد اللطيف الوراري

70006504 470107713844988 7400025696623394816 n
            لطالما فكّرْتُ، وأنا أقرأ الشّعر مُترجَماً أو بصدد ترجمته عن الفرنسية، في ما رآه الجاحظ، وهو يقول إنّ "الشعر لا يُستطاع أن يُترْجَم، ولا يجوزُ عليه النقل، ومتى حُوّل تقطَّع نظْمُه، وبَطُل وزْنُه، وذهبَ حسْنُه، وسقطَ موْضعُ التعجُّب، لا كالكلام المنثور". الشعر لا كالنثر. قد يجوز الأمر في النثر، الواضح والمعقول والعادي. أمّا في الشعر، الغامض والهشّ، فإنّه يصعب من وُجوهٍ كثيرة، حتّى يستحيل الأمر خيانةً، بله خسارة.

   لا يضيع المعنى فحسب، بل الأسلوب وإيقاع الكلمات وجرسها العابر للذّات وخطابها المفرد والخاص. هذا واقعٌ لسوء حظّ الشعر. لكن، أليس بالإمكان ترجمة الشعر؟ بلى. لا أنسى، هنا، رأياً ثانياً للشاعر الفرنسي بيير ليريس، وهو يرشدنا إلى أنّ "ترجمة الشعر أمْرٌ مستحيل، مثلما الامتناع عن ترجمته أمرٌ مستحيل".

    كثيرٌ من الثقافات الإنسانية الشفوية والمكتوبة، بما في ذلك الثقافة العربية ـ الإسلامية، التي يأخذ فيها الشعر وضعاً إعتباريّاً ولافتاً، وجدت في هجرة أدبها، من ضمن نتاجها الرمزي، إلى العالم ضرورةً لا ترفاً، ومجلبةً للاحترام والمجد، إذ هو يعكس وجهاً حيويّاً ومشرقاً من هويّة هذه الثقافة وتلك. وقد رأينا، عبر عهودٍ من حيويّة التاريخ، كيف كان تتفاعل الحضارات والشعوب وتتحاور، بقدرما تتناقله بينها من آدابٍ وفنون ومعارف، بل إنّ منها من تغيَّر وجهها بسبب الشعر مجسّداً في أغنية أو قماشة أو آنية قذفت بها الرياح إلى ما وراء البحر.

                                                           اضغط لقراءة التتمة: ترجمة الشعر 

عبد اللطيف الوراري يبحث الخطاب السيرذاتي وآليات اشتغاله في الشعر العربي                         

37033781 10156415174619898 2560956378604634112 n

نوقشت بكلية الآداب والعلوم الإنسانية- جامعة ابن زهر بأكادير، يوم الإثنين 9 يوليوز 2018، أطروحة جامعية لنيل شهادة الدكتوراه في الآداب تحت عنوان (الخطاب السيرذاتي وآليات اشتغاله في الشعر العربي الحديث والمعاصر)، أعدها الباحث عبد اللطيف الوراري. وقد تكونت لجنة المناقشة من السادة الأساتذة: د. رشيد يحياوي (مشرفا)، ود. عبد السلام فيزازي (رئيسا) ود. جمال بوطيب ود. حسن الطالب ود. البشير التهالي (أعضاء). وبعد المناقشة التي دامت نحو خمس ساعات، اختلت اللجنة العلمية للمداولة وقررت منح الباحث شهادة الدكتوراه بميزة مشرف جدّاً مع تنويه اللجنة والتوصية بالطبع.

وفي ما يلي ملخص تقرير الأطروحة:

    يناقش موضوع البحث "الخطاب السيرذاتي وآليّات اشتغاله في الشعر العربي الحديث والمعاصر"، بقدر ما هو يسعى إلى إعادة استكشاف هذا الخطاب وبحث أطره وآليّاته النصّية المختلفة، من منظور يستفيد من منجز نظرية السيرة الذاتية راهنًا، وينفتح على نظرية النص وتحليل الخطاب التي غيّرتْ كثيرًا من التصوُّرات السائدة في تاريخ تأمُّل بنى الممارسات الدالة وآليات تلقّيها.

   وقد عملنا في بادئ الأمر على ضبط التأويلات المتنوعة للنوع السيرذاتي من خلال النصوص النظرية والفلسفية والشعرية المختلفة لمؤرّخي الأدب ومُنظّري الأنواع الأدبية، وهو ما جعلنا نكتشف الثراء المعرفي والتخييلي الذي أتاحه تطوُّر النوع والاهتمام المتزايد به على مستوى النظرية والمنجز النصي.

   وقد أصبح للفضاء السيرذاتي داخل العمل الشعري وضعية خاصة من أهمّ ملامحها ردّ الاعتبار لملموسية الأنا الشعري، وشخصنة معيشه اليومي، وتخييل ذاته وصورها وإعادة بناء حياتها المستعادة والمُتخيَّلة في آن. وللاقتراب من هذا الفضاء، حاولنا أن نعيد بناء مفهوم السيرذاتي ولواحقه (النثر، الاسترجاع، الذات، المرجعية، التطابق..)، حتى نجعله يتجاوز عتبة المتن السيرذاتي السردي أو التخييلي، ويعنى بكيفيات صوغه شعريًّا، أي بالممارسة التي اتخذتها مُكوِّناته ضمن البنية الشعرية. وهكذا، نظرنا إلى السيرذاتي ليس بصفته خطابًا بانيًا فحسب، بل كذلك طريقةً لتخييل موضوع القصيدة وقول أناها التلفُّظي وتمثيل تجربة المعيش من خلال انفتاحها على مجموع الإمكانات والتقنيات الكتابية التي تستوجبها بنية الشعر بحدّ ذاته. ومن ثمّة، افترضنا أن الخطاب السيرذاتي في الشعر يُقدّم خصائص محددة، ولا يتحقّق البحث فيه إلا لاعتبارين:

36919725 1979663822123046 344872911657500672 n 1

  • أوَّلهما يخصُّ إنجاز تلفُّظه الخاص، وكتابته الخاصة، ومشروع أناه الخاص.
  • وثانيهما يتوجه إلى فعل كتابة الذات غير القابل للفصل عن فعل تمثُّل هذه الذات لنفسها وللآخر، وعن تخييل صور كينونتها أو هُويّتها المتحولة في الكتابة وعبرها.

 وانطلاقًا منه، عملنا على كشف آليات اشتغال السيرذاتي من خلال تحليل تمظهراته وأنماط انبنائه النصّي، ولم نفصل ذلك عن تداوليّات استخدامه في إطار السيرة والشعر معًا؛ فالشاعر لم يكن يعنيه فقط استعادة شذراتٍ ومقاطع من ماضيه وحياته الشخصية بوجه من الوجوه، بل كذلك يُوجّه عبر هذه الاستعادة مقاصد تداولية ضمن خطابه على نحو يساهم في نقله وتحويله.

    وإجمالًا، فقد كشف عن النزوع السيرذاتي القويّ الذي أخذ يطبع سيرورة تحديث شعرنا العربي منذ انبثاق حركة الشعر الحرّ إلى اليوم، بقدر ما يساهم في بلورة مفهومات تعبيرية وجمالية جديدة تنبع من صميم هذا الشعر ولغاته وحساسيّات أسلوبه ورؤاه للذات والعالم.

التعديل الأخير تم: 18/04/2021